Royaume du Maroc - Instance Equité et Réconciliation

الفصل الثاني : سياقات الانتهاكات

أولا- إشكالات السياق التاريخي

تطرح كتابة السياق التاريخي للانتهاكات التي عرفها المغرب منذ الاستقلال، إشكالات كبرى، في إطار المهام الموكولة للهيئة على هذا المستوى. ويمكن تلخيص تلك الإشكالات في النقط الثلاث التالية: 1) إشكـال معنى "السـيـاق التاريخي"؛ 2) إشكال النقص في المعطيات حول الأحداث المرتبطة بالانتهاكات؛ 3) إشكال تضارب الأطروحات التي تقدم تفسيرات وسياقات لهذه الأحداث.

ارتبطت الانتهاكات بأحداث تاريخية غير موثقة بالقدر الذي يسمح بقراءات دقيقة وموثوق بها. فهذه الأحداث لا تتوفر حولها إلا وثائق وشهادات غير مكتملة، ولم تنجز حولها إلا دراسات محدودة، جلها من طرف باحثين أجانب. وبالرغم من أن هذه الدراسات وثقت لأحداث ظلت تعتبر من المحرمات السياسية لعقود ، فإن استنتاجات هذه الدراسات أعطيت فيها الغلبة للسياق النظري على ما توفر من معطيات بالرغم من فقرها، وهي تتطلب بالتالي المراجعة الدائمة على ضوء ما يظهر من المعطيات الجديدة.

ظهرت منذ التسعينات، كتابات متنوعة حول تلك الأحداث قدمت معلومات كثيرة في شكل سير ذاتية، أو شهادات أو تحاليل سياسية وتاريخية. وساهمت هذه الإنتاجات الجديدة في إلقاء الضوء على جوانب كانت مجهولة أو مغفلة، مكنت نسبيا من سد النقص في التوثيق، الذي مع ذلك سيبقى دائما في الحاجة إلى المزيد. إلا أن توظيف هذه الكتابات في فهم سياقات الماضي، يتطلب الوعي بالاعتبارات الراهنة لكتابها، والاختيارات الذاتية التي تتدخل في عملية انتقاء الأحداث و إعادة بناء الوقائع وترتيبها وتأويلها.

يضاف إلى ذلك، الحالة المتردية والغامضة للأرشيفات العمومية في المغرب، التي تجهل محتوياتها كما ونوعا، وبالتالي يصعب، الحكم على قيمتها من خلال الجرد التقريبي المتوفر عنها كمصادر لتوثيق التاريخ السياسي الراهن للمغرب، خاصة التاريخ الراهن لحقوق الإنسان.

وعلى هذا الأساس فإن تحقيق أهداف الهيئة المتمثلة في تحديد سياقات الانتهاكات واستخلاص العبر، تم في كل الأحوال اعتمادا على معلومات غير مكتملة، وعلى وعي بأن إنتاج المعطيات عملية دائمة التطور، وأنها خاضعة هي الأخرى لسياقاتها التاريخية والسياسية المتقلبة وللاعتبارات الذاتية لمنتجيها.

إن القراءات و الأحكام المتداولة بشأن الأحداث المرتبطة بالانتهاكات متنوعة، ومتناقضة أحيانا كل التناقض، كما هو الحال بالنسبة لما يوصف بالصراعات الحزبية، وأحداث الريف و الأطلس في بداية الاستقلال، والصراع بين الفرقاء السياسيين، والمحاولات الانقلابية الفاشلة، والأحداث المرتبطة بحركات الاحتجاج الحضرية...إلخ.

واعتبارا لذلك فضلت الهيئة عدم الخوض في الأطروحات المتعددة والمتضاربة لكونها مهمة تعود للمؤرخين والباحثين المتخصصين، وتبقى المساهمة الممكنة للهيئة في هذا المجال:

-   عرض الملفات التي توصلت بها، والشهادات التي قدمت لها في إطار ممارستها لمهامها أمام الباحثين لاستعمالها، بما لا يمس سرية المعلومات الخاصة بالأفراد، ترسيخا لحرية الفكر والتعبير؛

-   المطالبة بتوفير مناخ لقراءة شفافة وحرة للأحداث التاريخية؛

-   التوصية بإحداث إطار قانوني للأرشيفات العمومية.

ثانيا: السياق القانوني

تزامنت وتلازمت الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة خلال الفترة موضوع اختصاص الهيئة مع التراجع عن الضمانات القانونية للحقوق والحريات الأساسية.

1. الحقوق والحريات الأساسية في الدستور المغربي أقر دستور سنة 1962 الحقوق والحريات الأساسية للأفراد والجماعات، حيث نصت ديباجته على أن المغرب ينخرط في "المبادئ والالتزامات" المترتبة عن مواثيق الهيئات الدولية. ونصت مقتضياته على حماية الحقوق المدنية والسياسية، وخاصة منها حريات الرأي والتعبير والاجتماع والتجول وحرمة المسكن وسرية المراسلات. كما تضمن حق الإضراب مع الإحالة على قانون تنظيمي- لم يصدر إلى يومنا هذا- لتحديد شروطه وأشكال ممارسته.

وبمقتضى التعديلات التي جاء بها دستور سنة 1992 أصبحت الديباجة تنص على تشبث المملكة المغربية " بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا"، مما يعني تكريس التزام المغرب بالمرجعية الدولية لحقوق الإنسان، وانخراطه في العمل بالمعايير المتعلقة بها، من خلال استكمال المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات ذات الصلة.

ينص الفصل التاسع من الدساتير المتعاقبة على أنه لا يمكن الحد من ممارسة الحريات إلا بمقتضى القانون، مع استبعاد كل حد من هذه الممارسة عن طريق إجراء تنظيمي تتخذه الحكومة.

1-1- المقتضيات الدستورية المتعلقة بالعدالة يكرس الدستور استقلال القضاء عن السلطتين التشريعية والتنفيذية (الفصل 82). وبالنتيجة فإن السلطة التنفيذية لا تملك صلاحية التدخل في ممارسة قضاة الأحكام لوظائفهم، كما أنه ليس للقضاة أن يتلقوا الأوامر من السلطة السياسية وبالأحرى أن ينفذوها. إن النظام الأساسي للقضاء والذي يدخل مبدئيا ضمن مجال اختصاص البرلمان، يكتسي صبغة قانون عادي. ومن ثمة فإن مدى مطابقته للدستور لا يخضع للمراقبة المسبقة.

يرأس الملك المجلس الأعلى للقضاء الموكول له السهر على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة فيما يتعلق بترقيتهم وتأديبهم، كما يعين القضاة باقتراح من المجلس المذكور. وباسمه تصدر الأحكام وهو الذي يمارس حق العفو. ويعتبر القضاء مستقلا من حيث المبدأ عن السلطتين التشريعية والتنفيذية. وتتمثل إحدى الضمانات الأخرى لاستقلال القضاء في المجلس الأعلى الذي يسهر على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة فيما يتعلق بترقيتهم و تأديبهم (الفصل 87).

نصت الدساتير المتعاقبة على مبدإ عدم قابلية قضاة الأحكام للعزل كإحدى الضمانات الأساسية لاستقلال العدالة. ويكرس الدستور الحالي هذا المبدأ في الفصل 85 الذي ينص على أنه "لا يعزل قضاة الأحكام ولا ينقلون إلا بمقتضى القانون". فعدم قابلية العزل يترتب عنها، حسب التفسير المعطى لهذا المقتضى، أن قضاة الأحكام لا يمكن أن يقبلوا، دون رضاهم، تعيينا جديدا ولو في حالة الترقية.

كما يكرس الدستور مبادئ أساسية لدولة الحق من قبيل: عدم رجعية القوانين (الفصل 4)، وتساوي الجميع أمام القانون (الفصل 5)، ومبدأ شرعية العقوبات، إذ ينص الفصل العاشر على أنه "لا يلقى القبض على أحد ولا يحبس أو يعاقب إلا في الأحوال وحسب الإجراءات المنصوص عليها في القانون". وبوضع نفس القيود على التفتيش، فإن نفس المقتضى يكرس مبدأ حرمة المسكن.

1-2- التشريع المتعلق بنظام رجال القضاء وشروط تفعيله

يلعب القضاء دورا حاسما في مواجهة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، لكونه يعهد إليه بتطبيق المقتضيات القانونية التي تضمن الحريات الأساسية وحقوق الأفراد والجماعات، المتضمنة أساسا في التشريعات المتعلقة بنظام القضاء وشروط تفعيله، وبالحريات العامة وقانون المسطرة الجنائية.

أ- مبدأ التحصين ضد العزل

كرس الدستور المغربي مبدأ استحالة عزل القضاة كضمانة أساسية لاستقلالهم. ويعتبر ظهير 30 دجنبر 1958 أول أداة قانونية نصت على هذا المبدأ من خلال المقتضيات المتعلقة بالتنقيط والترقية والتوقيف والتأديب(الفصل20، 21، 25).

غير أن التعديلات التي جاء بها ظهير 11 نونبر 1974، مست بهذا المبدأ الأمر الذي يمكن اعتباره تقليصا لضمانات استقلال القضاة بسبب ما تضمنته الفصول 26، و55 و62 من صلاحيات لوزير العدل تقوت مع الجمود الذي عرفه المجلس الأعلى للقضاء خلال سنوات. ويتعلق الأمر بالصلاحيات المرتبطة بالتعيين في المناصب الجديدة، وتغيير المنصب والتكليف بالمهام والتوقيف.

ونتيجة لذلك توسع مجال السلطة التأديبية لوزير العدل، حيث أصبحت تشمل تحريك المتابعات ضد القضاة وتوقيفهم استنادا إلى تقديره الخاص لخطورة الأفعال المنسوبة إليهم دون اللجوء إلى رأي المجلس الأعلى للقضاء. وفضلا عن ذلك فالتعيينات في المناصب الجديدة، والتي يفترض اقتراحها من لدن المجلس الأعلى، ظلت هي الأخرى خاضعة لقرارات الوزير لفترة طويلة.

ب- الضمانات القانونية لاستقلال القضاة ونزاهتهم

-  الاستقلال عن السلطات السياسية

ينص الدستور المغربي على فصل السلط وعلى استقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية. كما يمنع القانون الجنائي تدخل ممثلي تلك السلطة في صلاحيات السلطة القضائية عبر البت في أية قضايا تدخل ضمن اختصاص المحاكم، ويعاقب على ذلك كجنحة بالحبس من شهر إلى سنتين (الفصل 239).

غير أنه تبين للهيئة من خلال الدراسات والتحليلات التي أجرتها للمتابعات والمحاكمات والقضايا في عدد مهم من الملفات المعروضة عليها وجود قرائن على أنه كان يتم في العديد من المناسبات التدخل من قبل جهات محسوبة على السلطة التنفيذية في سير القضاء مما جعل تلك المحاكمات تعرف اختلالات فيما يتعلق بضمانات المحاكمة العادلة.

-  النزاهة والتجرد والاستقامة

ضمانا لنزاهة القضاة وتجردهم واستقامتهم باعتبارها شروطا أساسية لاستقلال القضاة، نص القانون الجنائي على منع الرشوة واستغلال النفوذ والتحيز(الفصول 248، و251 و 254). لذلك أوجب القانون على القضاة التصريح بممتلكاتهم الأصلية أو الإضافية طبقا لمقتضيات الفصلين السادس عشر والسابع عشر من النظام الأساسي لرجال القضاء. ولوزير العدل صلاحية تقدير ثروة القضاة عن طريق إجراء تفتيش بعد موافقة المجلس الأعلى للقضاء. غير أن هذه الآلية بقيت معطلة طيلة عقود من الزمن، كما ظل مفعولها محدودا، فضلا عن عدم تفعيل المقتضيات الزجرية التي تعاقب القضاة على تحيزهم.

ج- كفاءة القضاة

كان النظام الأساسي لرجال القضاء الصادر بتاريخ 18 جمادى الأولى 1378 موافق 30 دجنبر 1952، ينص على أن ولوج وظيفة القضاء يتم عن طريق مباراة مفتوحة لحاملي الإجازة في الحقوق أو ما يعادلها حسب مرسوم وبعد استشارة المجلس الأعلى للقضاء ( الفصل 14). غير أن إعمال هذا المقتضى لم يؤد إلى تحسين شروط التوظيف. فالتكوين لم يعد مؤمنا نسبيا إلا مع إحداث المعهد الوطني للدراسات القضائية سنة 1970، والذي لم تكن شروط ولوجه صارمة وشفافة.

وحسب النظام الأساسي لسنة 1974 فإن القضاة يعينون، ماعدا في الحالات الاستثنائية المقررة في القانون، ملحقين قضائيين يخضعون في نهاية التدريب لامتحان يتم إجراؤه وفق الشروط المحددة بمقتضى مرسوم ( الفصل 7). ولم يتم حصر ولوج القضاء وتنظيمه في إطار مباراة إلا مع إحداث المحاكم الإدارية سنة 1993، بحيث إن ممارسة وظيفة القضاء أصبحت تقتضي التوفر على تكوين مناسب.

د- واجبات القضاة

يلزم القضاة بالمحافظة " في جميع الأحوال على صفات الوقار والكرامة التي تتطلبها مهامهم" (الفصل 13 من النظام الأساسي لرجال القضاء).كما يطبق مبدأ الفعل المرتب للعقوبات التأديبية في حقهم (الفصل 58) في حال " الإخلال بالواجبات المهنية أو بالشرف أو بالوقار أو الكرامة"، هذا الإخلال الذي يشكل "خطأ من شأنه أن يكون محل متابعة تأديبية".

من شأن الإخلال بتلك الواجبات أن يعرض القضاة، طبقا لمقتضيات الفصل 60 من النظام الأساسي لرجال القضاء، لعقوبات تأديبية تتمثل في:

-   التأخير عن الترقي من رتبة إلى رتبة؛

-   الحذف من لائحة الأهلية؛

-   النقل التلقائي؛

-   التدحرج من الدرجة؛

-   الإقصاء المؤقت عن العمل.

2- التشريع المتعلق بالحريات العامة

تراجعت الضمانات القانونية لحماية الحريات العامة بسبب التعديلات التي أدخلت على ظهير 15 نونبر 1958 بموجب ظهير 10 أبريل 1973 من جهة، والتهميش الذي لحقه لحساب نصوص استثنائية يرجع تاريخها إلى عهد الحماية.

كما زادت من حدة هذا التراجع الممارسة التعسفية للسلطات العمومية وكذا أوجه الخلل التي عرفتها العدالة.

2-1- قوانين الحريات العامة من 1958 إلى 1999

أ- فيما يتعلق بتأسيس الجمعيات

اكتسى ظهير 15 نونبر 1958 طابعا ليبراليا. ومن أوجه ذلك كون تأسيس الجمعيات كان خاضعا لمجرد تصريح، وأن حلها في حالة البطلان يتم بناء على قرار قضائي. وهكذا فإن وجود الجمعيات، لا يمكن المنازعة فيه إلا في حالة الإبطال المحكوم به قضائيا، كلما سعت إلى تحقيق هدف غير مشروع مخالف للقوانين والأخلاق الحميدة أو تهدف إلى المس بالوحدة الترابية أو بنظام الدولة الملكي. غير أنه منذ تعديل 1973، أصبح من الوارد توقيفها أو حلها بمرسوم للوزير الأول، لنفس الأسباب أو لأن نشاطها من شأنه أن يمس بالنظام العام.

ب- فيما يتعلق بحرية الصحافة

إن التعديلات المتعاقبة للمقتضيات المتعلقة بتنظيم حرية الصحافة في ظهير 15 نونبر 1958، والتي استهدفت تقوية المراقبة الإدارية للأفراد والجماعات وتشديد العقوبات في حالة الخروقات، أضعفت من الضمانات القانونية للحقوق المرتبطة بحرية الصحافة.

وإذا كانت مقتضيات ظهير 1958 تسمح لوزير الداخلية بأن يأمر بالحجز الإداري لصحيفة أو مطبوع دوري يكون من شأن نشره أن "يخل بالنظام العام"، فإن التعديل المدخل بمقتضى ظهير 28 ماي 1960 خول له أن يأمر بتوقيف كل صحيفة أو دورية "إذا وقع المس بالأسس المؤسسية أو السياسية أو الدينية للمملكة". وفي هذه الحالة، وإذا تم حجز الجريدة بسبب المس بالنظام العام، فإنه يمكن منع النشر بقرار للوزير الأول.

ومن جهة أخرى فإن التعديل الذي جاء به ظهير 13 نونبر 1963 مدد أجل تقادم الدعوى العمومية بالنسبة لجنح الصحافة، وذلك برفعه من خمسة أشهر إلى سنة.

ومن بين التراجعات التي جاءت بها تعديلات ظهير 1973 تشديد العقوبات السالبة للحرية ورفع مبالغ الغرامات في الجنح ذات الصلة بممارسة حرية الصحافة، فضلا عن توقيف الصحيفة بمبادرة من وكيل الملك، في حالة عدم تسديد الغرامة المحكوم بها داخل أجل خمسة عشر يوما من تاريخ الحكم. وفي حالات الإدانة المبنية على تعدد الجنح، يمكن للمحكمة أن تأمر بتوقيف النشر لمدة ثلاثة أشهر.

وثمة ضمانة قانونية مهمة لحرية التعبير والصحافة تم حذفها بمناسبة مراجعة قانون المسطرة الجنائية بتاريخ 31 دجنبر 1991 - وهي الأولى من نوعها منذ سنة 1974. بينما كان المشروع المقترح من لدن المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان يرمي إلى إعادة النظر في آماد الحراسة النظرية من جهة وتقوية حقوق الدفاع عند تقديم المشتبه به أمام النيابة العامة من جهة ثانية، اختفت من المشروع الحكومي الفقرة الأخيرة من الفصل 76 و التي كانت تستثني، في النص الأصلي، المتابعات المتعلقة بجنح الصحافة. ويترتب عن ذلك أن وكيل الملك بات بإمكانه الأمر بوضع صحفيين رهن الاعتقال الاحتياطي ومتابعتهم في إطار ما يسمى بمسطرة التلبس.

ج- فيما يتعلق بالتجمعات العمومية

تظهر بعض أوجه النقص في الضمانات القانونية المتعلقة بالتجمعات العمومية، في تخويل الموظف المنتدب من السلطة الإدارية لحضورها، صلاحية الأمر بتفريقها، ليس فقط في الحالة التي يطلب منه الجهاز التنفيذي المسؤول عن تنظيم التجمع فيها ذلك أو في حال وقوع نزاعات أو أفعال مادية فقط ولكن "إذا ارتأى أن سير الجلسة يمس أو من شأنه أن يمس بالنظام العام" أيضا (الفصل 7).

2-2- ممارسات تعسفية للإدارة

تتجلى الممارسة التعسفية للسلطات العمومية والتي ساهمت في إضعاف ممارسة الحريات العامة:

أ- على مستوى حرية تأسيس الجمعيات في:

-   رفض السلطات المختصة اللامشروط تسلم ملف التصريح والوثائق المرفقة به والمنصوص عليها في القانون؛

-   رفض السلطة المختصة تسليم وصل عن التصريح بتكوين جمعية، محولة إياه إلى ترخيص إداري؛

-   لجوء الإدارة في بعض الأحيان إلى إجراء " تنظيم" لا مشروط للحريات بواسطة مذكرة أو منشور بل وعن طريق تعليمات شفوية.

ب- على مستوى حرية الصحافة

إن الرقابة المسبقة المفروضة على الجرائد والصحف، والمطبقة طيلة سنوات عديدة، لم يتم الاستناد في ممارستها إلى أساس قانوني. فقد كان على مدير الصحيفة أو الدورية أن يسلم لرجال الشرطة نسخة من النشرة وأن ينتظر منها أوامرها قبل مباشرة السحب. وهذا الإجراء التعسفي لم يرفع إلا في سنة 1977، عشية الانتخابات البرلمانية. فالحجز المنصوص عليه في القانون يتم الأمر به شفويا، أما هذا الإجراء الإداري فمن المفروض ألا يتخذ إلا بناء على قرار كتابي لوزير الداخلية يبلغ إلى المسؤول عن النشر.

2-3- استعمال تشريع استثنائي

ويشمل ظهيري 1935 و1939 واللذين يعود تاريخ صدورهما إلى عهد الحماية.

أ- ظهير 1935

كان ظهير 29 يونيو 1935 يرمي إلى قمع الحركة الوطنية، وخاصة غداة المظاهرات المنظمة ضد الظهير الاستعماري الصادر بتاريخ 16 ماي 1930. تعاقب مقتضياته على:

-   المقاومة الإيجابية أو السلبية لتطبيق القوانين والمراسيم والأنظمة وأوامر السلطة العمومية؛

-   التحريض على الفوضى والمظاهرات؛

-   كل عمل يكون من شأنه الإخلال بالنظام والسكينة أو الأمن؛

-   الإخلال بالاحترام الواجب للسلطة الفرنسية أو الشريفة.

وإذا كان مرتكب الفعل موظفا أو عونا أو مستخدما في إدارة عمومية، فإن العقوبة المقررة والمتراوحة بين ثلاثة أشهر و سنتين حبسا مع الغرامة تكون مضاعفة.

وهذا النص الذي كان يفترض إلغاؤه بصدور القانون الجنائي وقانون الحريات العامة، تم إحياؤه مع إعلان حالة الاستثناء سنة 1965. و لقد تم استعماله على نطاق واسع في قمع الأنشطة الحزبية أو الجمعوية أو التعبير عن رأي.

وأمام الاحتجاجات التي تطعن في شرعيته ومشروعيته فقد تم تعديله بمقتضى ظهير 26 شتنبر 1969 وذلك بإحلال عبارة "السلطة" محل عبارة " السلطة الفرنسية أو الشريفة". وبناء على المتابعات العديدة المجراة في نطاق هذا النص الاستثنائي، فإن المحاكم كانت تقضي بصفة منهجية بعقوبات حبسية نافذة، معتبرة أن وقائع داخلة في باب الممارسة العادية للحريات الأساسية من شأنها الإخلال بالنظام العام.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا الظهير لم يتم إلغاؤه إلا بتاريخ 15 يوليوز 1994.

ب- ظهير 1939

أما ظهير 26 يوليوز 1939 الذي يمنع المناشر التخريبية والذي صدر ليلة الحرب العالمية الثانية فإنه يمنع "توزيع المناشير والنشرات والعلامات التي يكون من شأنها الإخلال بالنظام أو السكينة أو الأمن و بيعها وعرضها للبيع وعرضها على أنظار الجمهور وحيازتها بهدف توزيعها أو بيعها أو عرضها بغرض الدعاية". وتتراوح العقوبة المقررة لهذه الأفعال بين ستة أشهر وخمس سنوات حبسا، فضلا عن الغرامة والمنع الكلي أو الجزئي من الحقوق الوطنية والمدنية وحقوق الأسرة والمنع من الإقامة لمدة تتراوح بين خمس سنوات وعشر سنوات. وهذا الظهير الذي يتنافى تماما مع نص قانون الصحافة وروحه كان من المفترض إلغاؤه بصدور هذا القانون.ومع ذلك فقد تم تطبيقه انطلاقا من منتصف الستينات وحتى الثمانينات، في حق الصحافيين وفي حق أعضاء أحزاب المعارضة في حالات توزيع المناشير.

2-4- دور القضاء في التضييق على ممارسة الحريات أدى تفسير بعض قضاة الحكم لمقتضيات القانون تحت تأثير الهاجس الأمني إلى تضييق نطاق الضمانات القانونية المتاحة والمس بالتالي من الناحية الواقعية ببعض المبادئ الدستورية.

ففي العديد من المحاكمات المرتبطة بالممارسة العادية للحريات العامة، والتي تم إجراؤها بالاستناد إلى النصوص التشريعية المذكورة أعلاه، تم اللجوء إلى تطبيق ضيق لها بالرغم من تنافي مقتضياتها مع النص التشريعي الصادر بعد الاستقلال.

كما أن انتقادات بسيطة لسير العدالة أو الإدارة اعتبرت بمثابة أخبار كاذبة ونال أصحابها عقوبات قاسية بالحبس النافذ استنادا على قانون الصحافة.

3 - قانون المسطرة الجنائية

يكتسي قانون المسطرة الجنائية الصادر بمقتضى ظهير 10 فبراير 1959 أهمية بارزة ضمن الإصلاحات التشريعية التي عرفتها السنون الأولى من الاستقلال، وذلك من حيث الضمانات المتعلقة بحماية الحق في الحرية والأمان الشخصي والحق في المحاكمة العادلة.

3-1- المبادئ المؤسسة

يمكن القول أن هذا القانون تمكن من التوفيق بين ضمان حرية الأفراد وفعالية الزجر القانوني للجرائم. يبدو ذلك واضحا من خلال المبادئ الكبرى المتضمنة في ديباجته المتمثلة في:

-  مبدأ قرينة البراءة وما يترتب عنه من إلزام النيابة العامة بإثبات الجنايات والجنح؛

-  التنظيم الدقيق لآماد الوضع تحت الحراسة الذي تباشره الضابطة القضائية ولشروطه؛

-  الصبغة الاستثنائية للاعتقال الاحتياطي؛

-  حرمة المسكن وبالتالي التنظيم الدقيق لإجراءات التفتيش؛

-  حرية الدفاع في أي طور من أطوار المحاكمة؛

-  لا يمكن للقاضي أن يبني مقرره " إلا على حجج عرضت أثناء الإجراءات ونوقشت شفاهيا وحضوريا أمامه" (الفصل 289).

3-2- الوضع تحت الحراسة أو "الاعتقال" الذي تباشره الضابطة القضائية

أ- النص الأصلي

ينص النص الأصلي لقانون المسطرة الجنائية على أن الشخص الموضوع تحت الحراسة في نطاق حالة التلبس بالجنحة لا يمكن الاحتفاظ به أكثر من 48 ساعة. فالفصل 68 ينص على أن الوضع تحت الحراسة تبرره " حاجيات التحقيق" دون تحديد طبيعة هذه الحاجيات. وهذا التبرير الفضفاض للوضع تحت الحراسة يفسح الباب أمام السلطة التقديرية التي تتمتع بها الضابطة القضائية والتي تسمح لها بحرمان شخص من حريته، على الأقل قبل عرضه على وكيل الملك. وإذا توفرت في حق هذا الشخص "قرائن خطيرة ومتطابقة" يمكن تمديد الحراسة لمدة 24 ساعة بإذن كتابي من وكيل الملك (الفصل 68). غير أن هذا الشرط المتعلق بالقرائن القوية والخطيرة لا يوجد إلا في النص الأصلي المحرر باللغة الفرنسية.

أما إذا تعلق الأمر بجناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس، فإن الشخص الموضوع تحت الحراسة "يجب تقديمه لزوما إلى وكيل الدولة قبل انتهاء هذا الأجل" لكي يتم الترخيص الكتابي بالتمديد لمدة أربع وعشرين ساعة. ومع ذلك فمن الممكن منح الإذن المذكور "بموجب قرار معلل بأسباب" دون أن يساق الشخص إلى النيابة (الفصل 82).

وفي إطار الإنابة القضائية التي يطلبها قاضي التحقيق، إذا تعين على ضابط الشرطة القضائية إبقاء شخص رهن إشارته فيجب عليه "حتما تقديمه خلال الأربع والعشرين ساعة إلى قاضي التحقيق الجاري تنفيذ الإنابة في دائرة نفوذه...". وهذا القاضي يمكنه الإذن بتمديد أمد الحراسة لمدة ثمان وأربعين ساعة. ومع ذلك فإن الإذن يمكن منحه بصفة استثنائية "بموجب مقرر معلل بأسباب من غير أن يساق الشخص أمام قاضي التحقيق" (الفصل 169). والجدير بالإشارة أن هذه الآجال تضاعف في الحالات الثلاث كلما تعلق الأمر بالمس بالسلامة الداخلية أو الخارجية للدولة.

ب- تعديلات 1962

شكلت التعديلات التي أدخلت على هذا القانون بتاريخ 18 شتنبر 1962 تراجعا عن المكتسبات التي جاء بها النص الأصلي. فالمدة القانونية للوضع تحت الحراسة تم تعديلها بصفة جوهرية. كما أن وكيل الملك أو قاضي التحقيق أصبح بإمكانه أن يأمر كتابة بتجديد التمديد المنصوص عليه في القانون عند الحاجة. فمن جهة لم يعد وجوب تقديم الشخص الموضوع تحت الحراسة إلى الوكيل مطروحا، وكذا الاكتفاء "بصفة استثنائية" بصدور قرار معلل بأسباب عن هذا الوكيل، في حال عدم التقديم، كما كان الشأن في القانون الأصلي. ومن جهة أخرى، فإن " الحاجة" تبقى خاضعة للتقدير الأحادي للسلطة المذكورة أو لرؤسائها، في غياب كل طعن فعلي. وأخيرا وأساسا فإن السلطة القضائية يمكنها تمديد اعتقال الشرطة لشخص لفترة طويلة مما يشكل مسا حقيقيا بحقوق الأفراد.

وقد تم دمج هذا التشريع الاستثنائي في قانون العدل العسكري بمقتضى ظهير 26 يوليوز 1971، المطبق ليس على العسكريين فقط ولكن على المدنيين في حال المتابعة بتهمة المس بالسلامة الخارجية للدولة.

وقد ضيقت المراجعة التي تمت يوم 30 دجنبر 1991 من جديد من نطاق استعمال الوضع تحت الحراسة. فبالنسبة لجرائم الحق العام تم اختزال أجله إلى 48 ساعة، قابلة للتمديد لمدة 24 ساعة بإذن كتابي من وكيل الملك. وبالنسبة لقضايا المس بسلامة الدولة، حدد أجله في 96 ساعة قابلة للتجديد مرة واحدة، بإذن من النيابة العامة. لكن مقتضيات قانون العدل العسكري المتعلقة بالوضع تحت الحراسة بقيت بدون تغيير.

ج- الاعتقال الاحتياطي

كان الاعتقال الاحتياطي، الذي يعتبر تدبيرا استثنائيا، محدودا في ظهير سنة 1959. فوكيل الملك يمكنه أن يصدر أمرا بإيداع المتهم السجن بعد استنطاقه عن هويته وعما نسب إليه من أفعال متى تعلق الأمر بالتلبس بجنحة معاقب عليها بالسجن. ومتى كانت القضية لم ترفع بعد إلى قاضي التحقيق (الفصل 76). وهذا المقتضى لم يكن يتم تطبيقه في جنح الصحافة أو في الجنح "ذات الصبغة السياسية المحضة". لكن هذا الاستثناء تم حذفه بقتضى التعديلات التي جاء بها ظهير 13 نونبر 1963.

إن استعمال هذه المسطرة المقررة حصرا حتى ذلك الحين لحالات التلبس بالجنحة، قد تم توسيعه بمقتضى مراجعة سنة 1962 ليشمل الحالات التي لا يتوفر فيها الشخص المتابع على "ضمانات كافية للحضور". غير أن هذه الضمانات تركت لتقدير وكيل الملك صلاحية اللجوء إلى الأمر بالاعتقال الاحتياطي كلما قرر المتابعة بسبب جنحة، حيث اكتست هذه الممارسة طابعا ممنهجا طيلة سنوات.

كما وسعت تلك المراجعة من مدة الاعتقال الاحتياطي بمضاعفته من عشرة أيام إلى ثلاثين يوما في حالة ارتكاب جنحة تقل فيها العقوبة القصوى عن سنتين. كما أن الاعتقال الاحتياطي الذي كان أجله الأقصى محددا، في الأصل، في شهرين ضوعف ليصبح أربعة أشهر في الحالات الأخرى. ويمكن لقاضي التحقيق، بعد سماع التماسات وكيل الملك، أن يقرر تمديد فترة الاعتقال لنفس المدة بمقتضى أمر قضائي معلل.

د- صلاحيات النيابة العامة

خول ظهير 1959 النيابة العامة صلاحيات واسعة ظلت تتقوى بشكل مطرد منذ ذلك الحين، الأمر الذي ترتب عنه اختلال التوازن بين سلطة الاتهام وحقوق الدفاع.

-  النص الأصلي

كانت صلاحيات النيابة العامة وحقوق الدفاع متوازنة نسبيا. كما كان التحقيق الإعدادي يشكل، من حيث المبدأ، طورا أساسيا في المسطرة.

يحقق قاضي التحقيق "في اتجاه الإثبات كما في اتجاه النفي" في استقلال تام عن سلطة الاتهام. فالتحقيق، وهو إجباري في مادة الجنايات، يتم على مرحليتين حيث إن غرفة الاتهام التي كان رئيسها وأعضاؤها ينتخبون من لدن الجمعية العامة لمحكمة الاستئناف تتمتع بصلاحيات هامة في هذا الباب تتمثل فيما يلي:

-  يجوز لها " أن تأمر في جميع الأحوال بإجراء كل عمل من أعمال البحث التكميلية التي تراها مفيدة" (الفصل 222).

-  " تنظر في شأن صحة إجراءات القضية المرفوعة لديها، وإن اكتشفت أحد أسباب البطلان فإنها تأمر بإبطال الإجراء المتضمن للسبب وعند الاقتضاء بإبطال الإجراءات الموالية له كلا أو بعضا" (الفصل 227).

-  يجوز لها بعد الإبطال " إما أن تتصدى لمباشرة القضية ...وإما أن تحيل ملف المسطرة على قاضي التحقيق أو على غيره لمواصلة إجراء التحقيق" الفصل 227).

-  تصدر قرارا بعدم المتابعة إذا ارتأت " أن الأفعال ليست لها صفة جناية ولا جنحة ولا مخالفة أو ... أنه لا توجد دلائل كافية ضد المتهم أو أن المتهم ظل مجهولا" ( الفصل 232)؛

-  تأمر بإحالة القضية على المحكمة المختصة إذا ارتأت أن الأفعال تكتسي صبغة جريمة؛

-  " يجب أن يتضمن قرار الاتهام بيان الأفعال التي هي موضوع التهمة وصفتها القانونية وإلا فيترتب عن ذلك بطلان" ( الفصل 236). وخلافا للأحكام القاضية بإعادة البحث بناء على وجود أدلة جديدة، فإن أحكام غرفة الاتهام تبلغ إلى علم المتهمين ومحاميهم وإلى علم المطالبين بالحق المدني (الفصل 239). ويجوز للمتهم أن يطعن بطريق النقض أمام المجلس الأعلى في قرار الإحالة داخل أجل قدره ثمانية أيام وأن يتمسك بأية وسيلة من وسائل النقض (الفصل 451). ويسهر المجلس الأعلى على "مراعاة القانون بدقة من لدن المحاكم" وعلى مراقبة "الوصف القانوني الذي تتسم به الوقائع" (الفصل 568).

-  " تراقب غرفة الاتهام أعمال ضباط الشرطة القضائية" ( الفصل 244). و إذا ثبت لها " أنهم أخلوا بالقيام بوظيفتهم" ( الفصل 245) فإنها تأمر بإجراء بحث في الموضوع، يجوز لها على ضوئه أن تقرر توقيفهم مؤقتا أو فصلهم نهائيا عن العمل وأن تأمر بإحالة الملف على رئيس النيابة العامة.

ومع ذلك، فإن بعض مقتضيات قانون المسطرة الجنائية كانت متنافية ومبدأ قرينة البراءة الذي يعتبر الاعتقال الاحتياطي بموجبه تدبيرا استثنائيا. وعلى هذا النحو، إذا ما استأنف وكيل النيابة قرار السراح المؤقت الصادر عن قاضي التحقيق فإن المتهم يبقى رهن الاعتقال.

وعلى كل حال، فإن هذا المتهم لا يتم الإفراج عنه إلا بعد انصرام أجل الاستئناف اللهم إلا إذا وافق الوكيل على إطلاق سراحه ( الفصل 204). ويمكن للمحكمة أن تأمر، رغم الاستئناف، باعتقال المتهم الذي حكمت عليه بعقوبة تعادل سنة حبسا نافذا أو تفوقها ( الفصل 400).

يمكن القول أن الضمانات المنصوص عليها في القانون، وهي مهمة في ذاتها، بقيت نظرية في القضايا ذات الصبغة السياسية سواء على مستوى دور غرفة الاتهام، وهو دور حاسم من حيث المبدأ في التحقيق الإعدادي، أو على مستوى مراقبة الضابطة القضائية.

كما أن وسائل الإبطال التي يتمسك بها دفاع المتهمين كان مآلها دائما الرفض المنهجي. ينضاف إلى ذلك أن الخروقات القانونية من قبل ضباط الشرطة القضائية لم تكن موضوع معاينات أو معاقبة.

-  تقوية سلطة الاتهام على حساب حقوق الدفاع وشروط المحاكمة العادلة

لئن كانت مراجعة قانون المسطرة الجنائية سنة 1962 قد مست بضمانات الحرية الفردية، فإن مراجعة 1974 قد شكلت تراجعا بالنسبة لضمانات المحاكمة العادلة. فالمقتضيات المسماة بالانتقالية (التي تضمنها 24 فصلا) تسببت في خلخلة التوازن بين الاتهام والدفاع، وذلك من خلال ما كانت ترمي إليه من:

-  تكليف رؤساء النيابة العامة لدى محاكم الاستئناف بمباشرة الدعوى العمومية في مادة الجنايات، ما عدا في بعض الحالات؛ وبالتالي فإن غرفة الاتهام التي كان دورها حاسما على مستوى التحقيق القضائي الإعدادي قد تم إلغاؤها؛

-  إسناد مهمة الفصل في الجنايات إلى غرفة من غرف محكمة الاستئناف تتشكل من القضاة وحدهم، وهو ما ترتب عنه إلغاء نظام المستشارين المحلفين؛

-  إخضاع مؤسسة قاضي التحقيق، المعين أصلا كما سبق بيانه من لدن وزير العدل، للنيابة العامة؛

-  تقوية صلاحيات سلطة الاتهام بكيفية ملموسة على حساب التحقيق القضائي وحقوق الدفاع.

وعلاوة على ذلك، فإن التحقيق الإعدادي، الذي يباشره قاضي التحقيق دون سواه، قد أصبح اختياريا في جميع حالات التلبس، اللهم إذا تعلق الأمر بجريمة معاقب عليها بالإعدام أو السجن المؤبد. ففي هذه الأحوال فإذا " ظهر أن القضية جاهزة للحكم" فإن الوكيل العام للملك يصدر أمرا بوضع المتهم رهن الاعتقال ويحيله على غرفة الجنايات لدى محكمة الاستئناف.وإذا كانت القضية موضوع تحقيق إعدادي، فإن قاضي التحقيق يحيل القضية مباشرة على هيئة الحكم.

وهكذا فإن الجرائم المعاقب عليها بالسجن لمدة ثلاثين سنة فأقل تعتبر مثل الجنح البسيطة حسب المسطرة المستعجلة المسماة بمسطرة التلبس علما بأن الملفات تحتوي على وثيقة حاسمة هي محضر الضابطة القضائية. ومما يؤسف له أن القانون الجديد قد حافظ على هذا الوضع.

ولا يجوز للمتهم أن يستأنف قرار الإحالة أمام الغرفة الجنحية. أما النيابة العامة فيمكنها، على العكس من ذلك، الطعن في القرار القاضي بعدم المتابعة.

إن الصلاحيات التي كانت مخولة فيما مضى لغرفة الاتهام قد انتقلت إلى الغرفة الجنحية " ما لم تكن منافية لمقتضيات ظهير 1974" ( الفصل 10 من ظهير الإجراءات الانتقالية). فالصلاحيات المنتقلة إلى الغرفة الجنحية لا تشمل، والحال هذه، الطعون ضد قرارات قاضي التحقيق ( القابلة للطعن) والمراقبة النظرية للضابطة القضائية.

وعندما يكون التحقيق إجباريا، وفي الحالة التي يبدو فيها أن القضية غير جاهزة للحكم، فإن التحقيق غالبا ما يختزل إلى مجرد استنطاق على أساس محتوى محضر الضابطة القضائية وعند الاقتضاء على أساس إجراء المواجهة بين المتهمين. كما أن طلبات الخبرة من أجل معاينة آثار التعذيب يكون مآلها الرفض المنهجي. و كذلك الأمر بالنسبة لطلبات استدعاء الشهود أو الاستماع إليهم. مما يعني أن التحقيق الإعدادي لا يحمل أي عنصر جديد مخالف لمضمون محاضر الشرطة خارج إطار تصريحات المتهمين.

3-3- محاكمات في قضايا ذات صبغة سياسية

تميزت المحاكمات في القضايا ذات الصبغة السياسية بالعديد من مظاهر الاختلال التي أدت إلى المس بشروط المحاكمة العادلة، من بينها:

-  عدم مراعاة مبدأ علنية الجلسات؛

-  الحضور المبالغ فيه للأجهزة الأمنية مقارنة مع ما تقتضيه مستلزمات حراسة المتابعين، مما كان يحد من علنية المناقشات ويؤثر سلبا على المحاكمة.

-  ضم الدفوع الشكلية الرامية على وجه العموم إلى البطلان، والتي يثيرها الدفاع قبل مناقشة الموضوع والوقائع، إلى الجوهر على الدوام وعدم البت فيها في الوقت المناسب والقول دائما برفضها؛

-  الرفض المنهجي لطلبات الدفاع الأولية المتصلة بمعاينة مخلفات التعذيب و آثاره أو الرامية إلى إجراء خبرة طبية على حامليها؛

-  رفض طلبات استدعاء الشهود؛

-  عدم مراعاة القضاة لوجوب بناء مقرراتهم "على حجج عرضت ونوقشت شفاهيا وحضوريا أمامهم" (الفصل 289 من قانون المسطرة الجنائية) ؛

-  التسرع في المحاكمة وفي إصدار الأحكام ومواصلة الجلسات ليل نهار في بعض الحالات؛

-  في حالات المس بأمن الدولة، غالبا ما كانت الأعمال التحضيرية الصرفة تعتبر بمثابة شروع في التنفيذ، فيتم إنزالها منزلة المحاولة الخاضعة لنفس العقوبة التي تخضع لها الجريمة نفسها؛

-  عدم تناسب الأحكام الصادرة والقاضية بعقوبات قاسية مع الأفعال المنسوبة إلى المتهمين أو المرتكبة فعلا من لدنهم؛

-  اضطرار المحامين، في العديد من المحكمات، إلى الانسحاب من المحاكمة أمام الرفض المنهجي لوسائل الدفاع؛

-  كون الطعون التي يتقدم بها المتهمون ضد الأحكام والقرارات الصادرة في حقهم غالبا ما تكون غير ذات مفعول حيث يتم إفراغها من محتواها خلافا للطعون التي تباشرها سلطة الاتهام.

إن خطورة الانتهاكات المرتكبة من لدن الأجهزة الأمنية والتي جسدتها شهادات الضحايا تنجم عن قصور الحماية القانونية للشخص وضعفها، خلال مرحلة الاعتقال قبل المتابعة القضائية. ولئن كان إصلاح نظام الوضع تحت الحراسة في شهر دجنبر من سنة 1990 قد شكل مكسبا مهما، بعد ما كان قد عرفه من تراجع سنة 1962، فإن تحديد الأمد الأقصى للوضع تحت الحراسة في حالة المتابعة من أجل المس بسلامة الدولة في ثمانية أيام قد جاء منافيا لوجوب إحضار الشخص المتابع أمام القاضي في أقرب وقت.

ثالثا: السياق المؤسساتي

1 - الإصلاحات الأولى

تتمثل الإصلاحات الأولى ذات الصلة بحقوق الإنسان والحريات العامة والتي تمت في فترة ما بعد الاستقلال في:

-   إحداث المجلس الوطني الاستشاري بموجب مرسوم ملكي يوم 17 غشت 1957 أي بعد الاستقلال بأقل من سنة. وكان يتكون أساسا من ممثلي حزبي الاستقلال والشورى والاستقلال والنقابات والهيئات الاقتصادية والاجتماعية. وهو مؤسسة استشارية إلى جانب جلالة الملك خولت لها صلاحية مساءلة أعضاء الحكومة حول ميزانية الدولة، وحول جميع القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

-   إحداث المجلس الأعلى بموجب ظهير 27 شتنبر 1957 والذي أنيطت به المهام التالية:

-   مراقبة العمل القضائي وتطبيق القانون؛

-   النظر في القضايا المحكومة نهائيا سواء من لدن محاكم الحق العام أو من لدن المحاكم العصرية؛

-   فحص دعاوى الإلغاء بسبب الشطط في استعمال السلطة المقدمة في مواجهة القرارات الإدارية.

-   إصدار ظهير 16 يوليوز 1957 الذي نظمت بموجبه الحريات النقابية.

-   الميثاق الملكي الذي أعلن على مستوى المبادئ إقرار الديمقراطية وممارسة الحريات الأساسية والتمتع " بحقوق الإنسان" (الخطاب الملكي بتاريخ 8 ماي 1958).

-   صدور ثلاثة ظهائر مؤرخة بـ 15 نونبر 1958 هي بمثابة قانون للحريات العامة، ومتضمنة للضمانات الأساسية المتعلقة بحريات التجمعات العمومية والجمعيات والصحافة.

-   صدور ظهير 30 دجنبر 1958 بالنظام الأساسي للقضاء وكان هذا النص يتضمن مقتضيات عامة تتصل بتنظيم القضاء وحقوق القضاة وواجباتهم والنظام التأديبي الذي يخضعون له ومغادرتهم الخدمة.

أنيطت مهمة إعمال هذه الحقوق والواجبات بالمجلس الأعلى للقضاء الذي كان عليه أن يعمل تحت إمرة رئيس مجلس الحكومة.

-   صدور قانون المسطرة الجنائية بتاريخ 10 فبراير 1959 والذي جاء بضمانات جوهرية للحرية الفردية.

-   وفي سنة 1960، أنشأ الملك محمد الخامس طيب الله ثراه مجلسا من أجل إعداد مشروع دستور، غير أن محاولة البلورة التوافقية لهذا المشروع آلت إلى الفشل.

-   إعلان القانون الأساسي للمملكة الصادر بمقتضى ظهير 2 يونيو 1961 مبدأ "تساوي المغاربة، في إطار فصل السلط واستقلال العدالة" وجعل حماية "الحريات العامة والخاصة" واجبا ملقى على عاتق الدولة.

2 - التنظيم المؤسساتي والعلاقات بين السلط

2-1- المقتضيات الدستورية

أ- دستور 1962

مثل دستور 1962 أول تجربة تتوخى وضع حد للتداخل الحاصل بين السلطات الذي كان يطبع النظام السياسي التقليدي. فالمؤسسات الدستورية الموجودة إلى جانب الملك، حسب هذا الدستور، هي البرلمان والحكومة والسلطة القضائية. وبدلا من تداخل السلط فقد تم إقرار فصلها المبدئي. فالبرلمان الذي يستمد أعضاؤه سلطتهم من الأمة يمارس السلطة التشريعية. وفي إطار تكونه من مجلسين سنة 1962، كان لمجلس النواب المنتخب عن طريق الاقتراع المباشر، في حال عدم الاتفاق مع مجلس المستشارين، أن يعرض مشروع القانون أو يتم اقتراحه من جديد للموافقة عليه أو رفضه بأغلبية ثلثي أعضائه. وفي حالة الموافقة عليه، يوكل أمر البت فيه إلى الملك. كما كان يحق له وحده مسائلة الحكومة عبر التصويت على ملتمس الرقابة. وتدخل الحقوق الفردية والجماعية كما المبادئ الأساسية للقانون المدني والقانون الجنائي ضمن اختصاص القانون، المحدد على سبيل الحصر في الدستور (الفصل 48).

ومع ذلك فإن الملك يمكنه استعمال آلية الاستفتاء التشريعي عبر اقتراح أي مشروع أو مقترح قانون على الموافقة الشعبية.

يمكن للملك حل مجلس النواب على أن يتم انتخاب مجلس جديد داخل أجل أقصاه أربعون يوما. يعين الوزير الأول والوزراء ... يعين في الوظائف المدنية والعسكرية ويمكنه تفويض هذا الحق. والحكومة التي تملك السلطة التنظيمية مسؤولة أمام الملك وأمام مجلس النواب (الفصل 65). وإذا كانت المسؤولية أمام الملك أمرا مستمرا فإن المسؤولية أمام مجلس النواب (وحده دون مجلس المستشارين المنتخب بواسطة الاقتراع غير المباشر) تمثل أمرا مستحدثا. إنها تسمح، من حيث المبدأ، بإثارة المسؤولية السياسية للحكومة في مجال الحريات. وبعد انتخاب غرفتي البرلمان، طبق الدستور بكيفية عادية خلال أقل من سنتين.

ب- حالة الاستثناء

بعد أحداث شهر مارس 1965 بثلاثة أشهر تقريبا أعلن الملك حالة الاستثناء طبقا للفصل 35 من الدستور وتم تجميد العمل التشريعي للبرلمان. وقد تعرضت حالة الاستثناء هاته، والتي دامت لمدة خمس سنوات، لانتقادات عدد من الأحزاب السياسية

ج- دستور 1970

مثل الدستور الصادر في 31 يوليوز 1970 والملغى في شهر مارس 1972 تراجعا هاما بالنسبة للدستور الأول. لقد جاء بمقتضيات، في باب تنظيم السلطات، لا تتماشى مع مبادئ الديموقراطية. وعليه فقد تم اختزال التمثيل الوطني حيث أن البرلمان أصبح يتكون من غرفة واحدة، ولم يعد ينتخب بالاقتراع العام المباشر إلا في حدود ثلث أعضائه. كما أن الوزير الأول فقد صلاحياته المتعلقة بالسلطة التنظيمية لفائدة الملك.

د- دستور 1972

ردت مقتضيات دستور سنة 1972 اعتبارا نسبيا للبرلمان، حيث أصبح ثلثا مجلس النواب ينتخبون بواسطة الاقتراع العام المباشر. كما أن الملك، وخلافا للسابق، لا يمكنه في علاقاته مع البرلمان اللجوء إلى الاستفتاء التشريعي إلا في حدود معينة نصت عليها أحكام الفصل 68 من الدستور، فللملك أن يقدم للاستفتاء كل مشروع أو اقتراح قانون بعد أن يكون قد قرئ قراءة جديدة إلا " إذا كان نص المشروع أو المقترح قد قبل أو رفض بعد قراءته قراءة جديدة بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب"، على أن مخالفة التصويت الشعبي، في حالة تنظيم الاستفتاء، لموقف المؤسسة البرلمانية لا يفضي بصفة آلية إلى حلها.

رغم المصادقة على الدستور، فإن عددا من المؤسسات المحدثة بمقتضاه لم يتم إرساؤها إلا في سنة 1977، ذلك أن مجلس النواب لم ينتخب إلا في 3 يونيو من نفس السنة. وعندما انتهت الفترة التشريعية الأولى في نطاق دستور سنة 1972، والمحددة مدتها في أربع سنوات، تم تمديدها إلى غاية سنة 1983 بمقتضى مراجعة دستورية رفعت الفترة التشريعية إلى ست سنوات.

هـ-الدستور المراجع لسنة 1992

أقرت التعديلات المدخلة على الدستور المغربي سنة 1992 تنظيما أكثر ديموقراطية نسبيا للسلطات العمومية. فقد أدخلت تغييرات مهمة سواء على مستوى بنية العلاقة بين السلطات أو على مستوى عناصر دعم هذه العلاقة وتفعيل آلياتها. فقبل سنة 1992، كان الملك يعين الحكومة في إطار سلطة تقديرية كاملة، لا رابط قانوني يربطها بمنطق الأغلبية البرلمانية. وكان تعيين الملك للوزراء يتم دون توقيع الوزير الأول بالعطف. وكانت الحكومة المعينة تباشر أعمالها بمجرد تعيينها من قبل الملك.

فدستور 1992 أدخل بهذا الخصوص إصلاحات مختلفة تشكل انفتاحا على المنطق البرلماني الأغلبي. وعلى هذا النحو، فإن الوزير الأول:

-   يقترح على التعيين الملكي، عند تشكيل الحكومة، أعضاء الحكومة الآخرين. ويقوم بنفس الشيء عند إجراء تعديل حكومي؛

-   يوقع بالعطف، من ثم، على ظهائر تسمية أعضاء الحكومة؛

-   يعرض، بمجرد تشكيل الحكومة البرنامج الحكومي على مناقشة البرلمان وتصويته. وفي حال رفض البرنامج الحكومي بالأغلبية المطلقة، يفضي التصويت إلى استقالة الحكومة.

وبينما كانت المصادقة على القوانين خاضعة للسلطة التقديرية للملك، فإن الفصل 26 من الدستور المراجع ينص صراحة على أن الملك يصدر "الأمر بتنفيذ القانون خلال الثلاثين يوما التالية لإحالته من مجلس النواب إلى الحكومة بعد تمام الموافقة عليه". فالمصادقة التي كانت صلاحية ملكية لم تعد فعلا تقديريا. ومع تحديد أجل للمصادقة، يكون استقلال المؤسسة البرلمانية في مزاولتها مهامها، على مستوى الدستور، قد استكمل عناصره.

وفيما يتعلق بالعلاقة بين البرلمان والحكومة، يمكن أن نلاحظ ثلاث نقط تتعلق باستجواب الحكومة وبلجن التحقيق البرلمانية وبمصير البرلمان خلال حالة الاستثناء.

فاستجواب الحكومة يجري عادة عن طريق الأسئلة الكتابية والشفوية. وهي في مجال الحقوق والحريات وسيلة لإثارة مسألة مدى احترام الدولة لالتزاماتها الداخلية والدولية في هذا الباب. وأجل الجواب محدد في عشرين يوما تبتدئ "من تاريخ عرض السؤال على الحكومة" (الفصل 55).

إن لجان التحقيق البرلمانية المحدثة بمبادرة من الملك أو بطلب من أغلبية أعضاء مجلس النواب (إحدى غرفتيه حاليا)، يمكن أن يعهد إليها بجمع عناصر المعلومات حول أحداث معينة أو حول انتهاكات محتملة للحقوق والحريات.

إن كون إعلان حالة الاستثناء لا يؤدي إلى حل البرلمان (الفصل 35) يجعل النظام السياسي يتمتع من الناحية المبدئية باستمرارية ديموقراطية. ويشكل الحفاظ على استمرارية البرلمان أمرا إيجابيا بالنسبة للحقوق والحريات التي قد تتعرض لخطر الإضعاف خلال حالة الاستثناء.

كما أن مراقبة دستورية القوانين التي تعتبر، في النهاية، عنصرا لا محيد عنه لضمان انسجام النظام القانوني، تكتسي فضلا عن ذلك، أهمية بارزة بالنسبة للنهوض بالضمانات القانونية للحقوق والحريات الأساسية. ومن البديهي أن إحداث دستور 1992 للمجلس الدستوري قد شكل على هذا الصعيد مكسبا هاما. واعتبارا لتكريس ديباجة دستور 1992 لحقوق الإنسان، فقد أدت هذه المراقبة إلى دعم وتسريع ملائمة التشريع الوطني مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

وعلاوة على مراقبة دستورية القوانين التي تجري وجوبا قبل صدورها فيما يتعلق بالقوانين التنظيمية، فقد اتسعت نسبيا صلاحية اللجوء إلى المجلس: ففضلا عن الملك والوزير الأول ورئيس كل غرفة من غرفتي البرلمان، يمكن لممثلي الأمة (ربع أعضاء الغرفة الأولى أو الثانية) أن يستعملوا هذا الحق. لكن لابد أن نلاحظ أن اللجوء إلى مراقبة دستورية القوانين يبقى، إذا ما استثنينا القوانين التنظيمية المنصوص عليها على سبيل الحصر، محدودا جدا.

و- الدستور المراجع لسنة 1996 أعادت التعديلات المدخلة على الدستور المغربي سنة 1996 العمل بنظام الغرفتين الذي كان قد تبناه الدستور الأول.

ومع ذلك، فإن المسطرة المنصوص عليها، تكتسي طابع البطء، في حال عدم اتفاق مجلس المستشارين مع مجلس النواب حول التبني المشترك لنص قانون، مما يترتب عنه تأخير المصادقة على مشاريع القوانين.

2-2- الأجهزة الأمنية

تشمل هذه الأجهزة كلا من الإدارة العامة للأمن الوطني (أحدثت بظهير 16 ماي 1956)، الدرك الملكي (ظهير 24 أبريل 1957) ، إدارة المحافظة على التراب الوطني (ظهير 12 يناير 1973 والمعدل بظهير 2 يناير 1974) ، قوات التدخل السريع، (قرار الإقامة العامة المؤرخ بتاريخ 26 يناير 1956 ) القوات المساعدة (الظهير بمثابة قانون الصادر بتاريخ 12 أبريل 1976)، القوات المسلحة الملكية (ظهير 25 يونيو 1956.) وأعطت المذكرة المنشورة يوم 3 يناير 1959 مسؤولية الحفاظ على النظام إلى عمال العمالات والأقاليم ومنحتهم سلطة الاستعانة بجميع عناصر القوة العمومية لذلك الغرض. وأكد ظهير 15 فبراير 1977 هذه الصلاحيات للعامل، الذي يمكن أن يستعمل القوات المساعدة، وقوات الشرطة، وأن يستعين بالدرك الملكي والقوات المسلحة لحفظ النظام في العمالة والإقليم. وتجدر الإشارة إلى أن شروط استعمال القوة العمومية وشكلياتها غير محددة في القانون. ويتبين أنه خلال الأحداث الكبرى التي تمس بالنظام العام، فإن السلطة المركزية هي التي تقرر عمليا في كيفية تدبير استعمال القوات العسكرية.

رابعا- السياق المجتمعي

1. أشكال التصدي للانتهاكات والفاعلون الأساسيون

تميز الدور الذي لعبه المجتمع السياسي والمدني في مواجهة الانتهاكات في الاستمرار المتواصل لمقاومتها، وفي التحولات الإستراتيجية التي عرفتها هذه المقاومة.

وتبرز هذه المقاومة من خلال أشكال التعبير والتنظيم في ظل القوانين الجاري بها العمل، أو في تحدي هذه القوانين، كما لعبت التعددية الحزبية التي اعتمدها المغرب دورا أساسيا في ضمان استمرار هذه المقاومة وفي تنوع أشكالها. وبفضل هذه التعددية، ظلت الأحزاب والتيارات السياسية من موقع المعارضة، والجمعيات المهنية والحقوقية المرتبطة بها، تلعب دورا رياديا في التعريف بالانتهاكات وفي التنديد بها، علما أن بعض أعضاء تلك الأحزاب والتيارات، كانوا من بين ضحايا الانتهاكات.

اتخذت مقاومة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان أشكالا متنوعة واعتمدت وسائل متعددة لفضحها والتنديد بها عن طريق الجرائد المسموح بها قانونيا، أو عبر المناشير السرية، أو خلال المحاكمات في القضايا ذات الصبغة السياسية، أو عن طريق تنظيم المظاهرات والإضرابات، أو في مناسبات الاستفتاء على الدساتير، والانتخابات التشريعية والمحلية والمهنية عن طريق التصويت أو الامتناع عنه.

كما برزت إلى الوجود أشكال تتمثل في إنتاجات أدبية وفنية مختلفة من طرف فنانين ومثقفين في شكل كتابات ومسرحيات وأشعار وفنون شعبية شفوية.

2- خيارات التصدي للانتهاكات

عرفت المقاومة المجتمعية للانتهاكات خيارين لعبا أدوارا مختلفة تبلورت بالخصوص منذ نهاية الخمسينات في:

-   ربط الخيار الأول معالجة انتهاكات حقوق الإنسان بضرورة التغيير السياسي الشامل، والذي ينطلق من إعادة تعديل الدستور لتوزيع السلطتين التنفيذية والتشريعية، كشرط أولي لأي إصلاح حقيقي. وبالرغم من أنه برزت طيلة هذه الفترة مطالب إصلاحات قطاعية في مجالات متعددة مرتبطة بحقوق الإنسان، كالقضاء، والصحافة، والقانون الجنائي، والتعليم، والحريات العامة، إلا أن هذه المطالب كانت تعتبر جزءا من الخيار الاستراتيجي الشامل.

-   تميز الخيار الثاني، والذي تقوى منذ نهاية الثمانينات، عن الخيار الأول بتركيزه على الجوانب المرتبطة بحقوق الإنسان كأولية إستراتيجية تسبق خيار التغييرات الدستورية الكبرى.

3- التصدي للانتهاكات في سياق الصراع على السلطة

شكل مطلب تعديل الدستور مجالا رئيسيا للصراع بين الدولة وأحزاب المعارضة، التي دعت إلى مقاطعة الاستفتاءات التي جرت حول مشاريع الدساتير الثلاثة التي عرضت للتصويت. ولم يحصل إجماع الأحزاب الرئيسية إلا على التعديلات الدستورية لسنة 1996.

أما المجال الثاني، فتمثل بمناسبة الانتخابات المحلية أو البرلمانية، حيث نددت المعارضة بعدم ضمان حرية التصويت ونزاهتها.

ضمت حركة المعارضة الأحزاب، النقابات والجمعيات المهنية والثقافية، والجمعيات الحقوقية والمنظمات المهنية و جمعية هيآت المحامين بالمغرب والاتحاد الوطني لطلبة المغرب.

وتمثل المجال الثالث لهذا الصراع السياسي في معارضة السياسات التي تتبعها الدولة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، وفي علاقاتها الخارجية. وكانت المعارضة تعتبر أن السياسات المتبعة لا تعبر إلا عن مصالح الأقلية التي تمثلها الدولة، وأنها تتناقض مع مصالح الشرائح الاجتماعية الواسعة التي تتحدث المعارضة باسمها، والتي تحرمها الدولة من تمثيلية حرة في المؤسسات السياسية عن طريق الانتخابات النزيهة. ووظفت المعارضة في هذه المجابهة وسائل متعددة من أشكال الاحتجاج والمعارضة والتنديد، واستعملت وسائل الإعلام الوطنية والدولية. كما نظمت تجمعات وإضرابات ومظاهرات. وساهم عدد من المثقفين والفنانين بوسائل تعبير فكرية وإبداعية متنوعة في التضامن أو التعاطف مع المعارضة.

وبذلك كانت المطالبة بضمان الحريات والحقوق والتنديد بالانتهاكات الوسيلة التي تفضح بها المعارضة عجز السلطة في الدخول في منافسة سياسية حرة وديمقراطية في إطار المؤسسات والقوانين القائمة.

وتميز المجال الرابع في تبني تيارات في المعارضة لخيارات رافضة للنظام السياسي الدستوري، ساعية من أجل الإطاحة به.

وعلى الرغم من الطابع المسلح الذي طبع الأحداث أحيانا فإن الدولة واجهتها باستعمال مفرط للقوة وغير متناسب مع حجمها ومداها.

ومنذ أواسط السبعينات، عرفت الساحة السياسية المغربية دينامية جديدة أفضت إلى انحصار الصراع بين الدولة والمعارضة في واجهات الدستور والانتخابات والبرامج السياسية. مما ساهم بصفة متدرجة في خلق مجموعة من التراكمات ترتب عنها توافق سياسي تدريجي حول صيغة جديدة لمشاركة الأحزاب السياسية في المؤسسات الدستورية.

4. حقوق الإنسان كخيار استراتيجي للتصدي للانتهاكات

يتميز هذا الخيار الحقوقي بتبنيه للدفاع عن حقوق الإنسان كأولوية، وبفصل الدفاع عن هذه الحقوق عن الصراع من أجل اقتسام السلطة الذي ظل يهيمن على الساحة السياسية في المغرب منذ الاستقلال.

تشكلت الإرهاصات الأولى لهذا الاتجاه منذ السبعينات بظهور جمعيات تخصصت في الدفاع عن ضحايا عنف الدولة وعن القضايا المرتبطة بحقوق الإنسان. وفي هذا الإطار أنشأت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان والجمعية المغربية لحقوق الإنسان في سياق دينامية حقوقية ستتعزز لاحقا بميلاد المنظمة المغربية لحقوق الإنسان والمنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف. كما أن عددا من الجمعيات المهنية تبنت حقوق الإنسان ضمن مطالبها، ولعبت أدوارا هامة في التعريف بالانتهاكات التي مارستها الدولة، وفي نشر قضايا حقوق الإنسان.

ظلت مؤتمرات جمعية هيئات المحامين بالمغرب، منذ تأسيسها سنة 1962، تعتبر من بين المناسبات البارزة لإثارة والتنديد بانتهاكات حقوق الإنسان، ولتقديم مطالب تهم تطوير هذه الحقوق على مستوى النصوص والممارسة. وتمكنت المناظرة الوطنية الأولى من نوعها حول حقوق الإنسان، المنظمة من طرف الجمعية بمدينة وجدة في دجنبر 1987، من تشخيص متطور لعلاقة حقوق الإنسان بسياقات المرحلة وبانتهاكاتها. كما برزت النواة الأولى لحركة عائلات وأقارب المعتقلين السياسيين منذ منتصف السبعينات وتوسعت منذئذ لتشمل تدريجيا عائلات المختطفين ومجهولي المصير.

وسيتميز هذا التوجه ببروز خطاب سياسي جديد ينطلق من التركيز على الأولية المبدئية للمطالب الحقوقية، ويدفع في اتجاه استقلالية التفاوض حول هذه الحقوق عن شروط المشاركة السياسية، كما أنه أفرز فاعلين يعكسون ثقافة سياسية جديدة تميزت بتغليبها للبعد الحقوقي، وباعتمادها على مفاهيم ومصطلحات حقوق الإنسان ومقاربتها البراغماتية في الإنجاز التدريجي لأهدافها.

وبتركيزه على أولوية حقوق الإنسان، ساهم التوجه الحقوقي في ترسيخ القناعة المشتركة بإمكانية تحقيق الإصلاحات التدريجية في ظل الدينامية السياسية التي عرفتها البلاد، منذ نهاية الثمانينات بالتزامن مع التحولات السياسية والفكرية الكبرى التي شهدها العالم.

5- دور النساء في التصدي للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان

كانت النساء فاعلات أساسيات في التصدي للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة في الماضي. فقد اضطلعن بأدوار حيوية في فضحها والتعبئة والتصدي لها، وفي الحفاظ على تماسك الأسر وعلى معنويات الضحايا من أقاربهن. ومن ثم أسهمن بقدر وافر، في تاريخنا القريب، وفي صيرورة معالجة ملف ماضي الانتهاكات. ويمكن الوقوف عند دورهن في التصدي لتلك الانتهاكات على المستويات التالية:

5- 1- على مستوى حركة عائلات المعتقلين السياسيين

لعبت حركة عائلات المعتقلين السياسيين دورا رياديا في طرح ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وكانت مشكلة أساسا من أمهات وزوجات وأخوات المعتقلين والمعتقلات. فقد تعبأن باستمرار، للتنديد بالانتهاكات، وللمطالبة بحق أبنائهن في محاكمة عادلة وفي الاعتراف بوضعهم كمعتقلين سياسيين، وبتحسين شروط أوضاعهم وإطلاق سراحهم، والكشف عن مصير المختفين منهم. وهكذا نظمن الوقفات والاعتصامات، وقمن بالترافع لدى الجهات المسؤولة. كما عملن على شحذ الدعم لمطالبهن ومعارك أقاربهن المعتقلين، خاصة أثناء الإضرابات عن الطعام ، وذلك بالاتصال مع الأحزاب السياسية والمنظمات الحقوقية الدولية والوطنية بعد تأسيسها، وبوسائل الإعلام. وقد تعرضن بسبب تحركاتهن للاعتقال والمطاردة والتنكيل. لقد تشكلت حركة العائلات تلقائيا، كشبكة للتضامن فيما بين العائلات لتسهيل الإقامة والتنقل وتموين المعتقلين ودعمهم. وطورت تدريجيا استراتيجيات عملها في التعبئة والاحتجاج والضغط وفي التصدي لعمليات القمع التي استهدفتهن. وتجدر الإشارة إلى أن أغلب الأمهات وبعض الأخوات كن أميات وغير مسيسات، بل منهن من لم تكن تغادر قريتها أو حيها ولم تلج إدارة من قبل، بل كان بينهن من لا يتكلمن إلا الأمازيغية. لكنهن تخطين الحواجز وتغلبن على كل المعيقات. فقد انتزعن حرية الحركة واكتسبن الجرأة على التصدي والتعبير، وتحولن إلى نساء مختلفات عما سبق، وإلى فاعلات حقوقيات، يرجع إليهن الفضل والسبق في طرح ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

5- 2- على مستوى حركة عائلات المختطفين مجهولي المصير

كما اضطلعت النساء بدور هام في حركة عائلات المختطفين مجهولي المصير، وفي المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف، وشاركن في قوافل الحقيقة والوقفات، وفي تقديم الشهادات، والتعبئة من أجل الكشف عن مصير المختفين، ومعالجة ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وخارج هذه الدينامية الجماعية، قامت النساء بمبادرات فردية جريئة للبحث عن ذويهم المختفين. فمنهن من وصلت إلى تازمامارت رغم كل الصعاب، ومنهن من قامت بربط الاتصال بين العائلات وأقاربهن المحتجزين في معتقلات سرية، وتسريب معطيات عن أوضاعهم لمنظمات حقوقية.

5- 3- على المستوى الخاص

على المستوى الخاص، الذي يكتسي أهمية كبرى لا تقل شأنا عن الأدوار العامة المذكورة أعلاه، اضطلعت زوجات ضحايا الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي، بدور حاسم في الحفاظ على تماسك الأسر، وتأمين الحد الأدنى للعيش الكريم لها، بفضل كدحهن في ظروف وشروط بالغة القساوة. كما عملن على حماية أبنائهن من آثار التضييق والإقصاء والوصم الاجتماعي، وتخفيف وقع الانتهاك عليهم بوجه عام.

طباعة ارسل الصفحة أعلى الصفحة
مفكرة

" لا ينحصر الأمر في تقاسم معرفة ما حدث في الماضي وإعادة تملكه، بل يتعداه، عبر الجدل البنّاء، إلى التحفيز حاضرا، على إبداع معايير وقواعد عيش مشترك، يسهم الجميع من خلالها في بناء المستقبل..."
إدريس بنزكري

المجلس الاستشاري لحقوق الانسان ساحة الشهداء ، ص ب 1341
الهاتف : + 212 37 72 22 07
الفاكس: +212 37 72 68 56
البريد الالكتروني : ccdh@ccdh.org.ma