Royaume du Maroc - Instance Equité et Réconciliation

الفصل الخامس : تحليل الانتهاكات والمسؤوليات

عملت الهيئة على استجلاء ظروف وملابسات الأحداث التي وقعت خلالها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بالاعتماد على المعاينات الميدانية وإفادات الضحايا والشهود وإنجاز الدراسات والأبحاث الأكاديمية. ولقد تنوعت مصادر المعلومات المستند إليها في تحليل تلك الانتهاكات ومسؤوليات أجهزة الدولة عنها بتنوع المهام المنوطة بالهيئة والأنشطة التي عملت على ترجمتها على أرض الواقع. وتتمثل المصادر المعتمدة في هذا المجال أساسا في:

-  المعلومات والمعطيات المتوفرة في الملفات المعروضة على الهيئة؛

­-الشهادات المدلى بها أثناء جلسات الاستماع العمومية من قبل ضحايا سابقين؛

­-الشهادات الفردية أو الجماعية المدلى بها من قبل ضحايا سابقين أو شهود ليسوا ضحايا خلال الجلسات المغلقة التي نظمتها الهيئة إما داخل مقرها أو أثناء الزيارات الميدانية للمناطق المتضررة جراء حدوث انتهاكات جسيمة؛

-  الشهادات المقدمة من قبل موظفين أنيطت بهم سابقا بعض المسؤوليات فيما يتعلق بحراسة أو تدبير شؤون بعض مراكز الاحتجاز؛

-  كل المعلومات التي توفرت حول مراكز الاحتجاز والأماكن التي عرفت حدوث انتهاكات جسيمة خلال الفترة موضوع الاختصاص الزمني للهيئة سواء من خلال المعاينات الميدانية أو الإطلاع على الأرشيف الرسمي؛

-  القيام بدراسات أكاديمية وتحليل السياق القانوني الذي ارتكبت فيه تلك الانتهاكات، وكذا الإطلاع على كافة الكتابات المتوفرة سابقا حول الموضوع.

1- الاختفاء القسري

أدى انعدام تعريف دقيق للاختفاء القسري في القانون المغربي، وكذا كونه انتهاكا مركبا يترتب عنه المس بكل حقوق الإنسان المحمية دوليا وعلى رأسها الحق في الحياة، إلى نعته بأوصاف متعددة من بينها " مجهولو المصير" و"المختطفون مجهولو المصير" و"المختطفون". غير أن هذه الأوصاف لا تشمل فقط الاختفاء القسري حسب التعريف المتعارف عليه دوليا بقدر ما تحيل على أشكال أخرى من الحرمان التعسفي من الحرية والذي يكون متبوعا في العديد من الحالات بالحرمان من الحق في الحياة، وذلك إما بسبب تجاوز استعمال السلطة أو الاستعمال غير المتناسب أو المفرط للقوة من قبل السلطات العمومية بمناسبة مواجهة أحداث اجتماعية، أو نتيجة التعرض للتعذيب وسوء المعاملة أو خلال مواجهات مسلحة.

ومما يزيد في هذا اللبس توافر بعض العناصر المكونة للاختفاء القسري في بعض حالات الاعتقال التعسفي، ومنها على الخصوص التستر على مكان الاعتقال ورفض الكشف عن مصير الشخص المحروم من حريته. فبقدر ما واجهت الهيئة أثناء معالجتها لحقيقة الاختفاء القسري وتحديد المسؤولية عنه، انتظارات كبيرة من جهة المجتمع وعائلات الأشخاص المعنيين، بقدر ما وجدت نفسها أمام حالات متنوعة وبالغة التعقيد وتنعدم المعلومات التي من شأنها تكييف الوقائع المستند إليها كعناصر مكونة لجريمة الاختفاء.

ومن خلال تحليل الأحداث والوقائع المرتبطة بحالات الاختفاء القسري الثابتة لدى الهيئة، يمكن القول أن هذا الانتهاك تم اللجوء إليه بشكل منهجي، كشكل من أشكال القمع، قصد تخويف وبث الرعب لدى المعارضين السياسيين والمجتمع.

وهكذا خلصت الهيئة بفضل تحليل الملفات المعروضة عليها ونتائج التحريات التي قامت بها حول حالات الاختفاء، إلى أن هذا الأخير تمت ممارسته في حق أشخاص فرادى أو جماعات، بارتباط مع أحداث سياسية طرأت خلال الفترة الزمنية موضوع اختصاص الهيئة في كثير من الأحيان، مما سمح لها من أن تخلص إلى اعتبار الحالات ذات الصلة حالات اختفاء قسري طبقا للتعريف الوارد في نظامها الأساسي. غير أنه تم تسجيل حالات اختفاء أخرى لم يكن للضحايا المعنيين بها أية علاقة مباشرة بنشاط سياسي أو جمعوي أو نقابي، وغالبا ما تمت هذه الحالات في ظروف غامضة.

كما وقفت الهيئة من خلال تحليل حالات الاختفاء القسري موضوع اختصاصها على أن هذا الفعل تم ارتكابه في حق أشخاص معزولين، بصفة عامة، بعد اختطافهم من محلات سكناهم أو في ظروف غير محددة، وتم احتجازهم في أماكن غير نظامية.

غير أن تجاوز مقتضيات القانون والاستهتار به بلغ مداه حينما تم ممارسة الاختفاء في حق أشخاص كانوا معتقيلن بسجن نظامي (وهو السجن المركزي بالقنيطرة)، حيث تم نقلهم إلى ثكنات عسكرية. وهو الأمر الذي ينطبق على العسكريين السابقين المتورطين في محاولتي الانقلاب الذين تم اختطافهم من السجن المركزي بالقنيطرة يوم 7 غشت 1973 حيث تم نقلهم جوا نحو وجهة بقيت مجهولة مدة طويلة سوف يتبين فيما بعد أنها الثكنة العسكرية الكائنة بتزمامارت. وقد شكل هذا الاختطاف انتهاكا غير مسبوق للفصل 653 من قانون المسطرة الجنائية الذي ينص على أنه "لا يمكن أن يعتقل أي شخص بصفة احتياطية أو تنفيذا لعقوبة قاضية بالحرمان من الحرية إلا في سجن وبمقتضى أمر عدلي أو أمر قضائي بالقبض أو قرار بالعقوبة".

وفي إطار المحاكمة المتعلقة بأحداث مارس 1973، فإن الأشخاص الذين قضت المحكمة العسكرية ببراءتهم يوم 30 غشت من نفس السنة، بعد متابعتهم بتهمة المس بالأمن الخارجي للدولة ويبلغ عددهم 71 شخصا، تم اختطافهم من السجن النظامي الذي كانوا معتقلين به دون استكمال الإجراءات القانونية لرفع حالة الاعتقال، وسيتم نقلهم إلى الثكنة العسكرية لتمارة حيث سيظلوا محتجزين فيها طيلة حوالي ستة أشهر تحت حراسة رجال الدرك وأعوان قوات التدخل السريع والقوات المساعدة التابعة لوزارة الداخلية والقوات المسلحة الملكية. كما تعرض عدد منهم للاستنطاق من قبل الضابطة القضائية قبل أن يتم نقلهم من جديد إلى السجن المركزي. كما أفرج عن بعضهم ونقل البعض الآخر في النهاية إلى معتقلات سرية أخرى بقيت مجهولة لمدة طويلة.

وهكذا فإن أشخاصا، برأتهم العدالة وكانوا تحت حماية ومسؤولية وزارة العدل وإدارتها المكلفة بالسجون، قد وجدوا أنفسهم ضحايا للتعسف بحكم اختطافهم من لدن جهاز أمني من أجهزة الدولة. كما تم اختطاف عدد من الأشخاص على إثر أحداث مارس 1973، وتم احتجازهم في مخازن تابعة لثكنة عسكرية توجد بمطار الدار البيضاء أنفا تحولت إلى معتقل سري يلقب بالكوربيس. وكان يحرسه أعوان تابعون لمختلف الأجهزة الأمنية. وقد تمت متابعة عدد من المحتجزين أمام القضاء كما تم الإفراج عن البعض الآخر في حين تم احتجاز آخرين في مراكز احتجاز غير نظامية أخرى.

يتبين إذن، أنه بالإضافة إلى مركز الاحتجاز بثكنة تازمامارت، الذي عرف احتجاز عسكريين، فإن ثكنات عسكرية أخرى قد تم استعمالها في مناسبات عديدة كمراكز للاعتقال. ففي هذه الحالات ومادام قد ثبت أن أشخاصا ممن كانوا معتقلين في الثكنتين الأخيرتين قد اختفوا خلال فترة قصيرة مما يوحي أنهم كانوا ضحية اختفاء قسري، فقد خلصت الهيئة إلى أن الأشخاص المعنيين كانوا ضحية اعتقال تعسفي. وتتجلى إحدى أوجه عبثية ظاهرة الاختفاء القسري ببلادنا في احتجاز خمسة تلاميذ خلال عامي 1976 و 1977 في مركز قلعة مكونة لمدة أربعة سنوات الأمر الذي تم بعد تقديم رفاق لهم إلى المحاكمة، وكذلك بالنسبة لاحتجاز أفراد أسرة محمد أفقير المتورط في المحاولة الانقلابية لسنة 1972، والذين كان ستةُ منهم أطفالاً وقت "اختفائهم"، في زنازن منفصلةٍ ولم يُسْمَح لهم بالالتقاء طوال عشر سنوات من 20 سنة قضوها رهن الاحتجاز.

وبالإضافة إلى كل ما سبق يمكن القول أن ظاهرة الاختفاء القسري ببلادنا تميزت بخصوصيات من بينها:

-  بقاء معظم المحتجزين على قيد الحياة. وهذا الأمر فرض إعادة النظر في الاعتقاد الذي كان سائدا على مستوى القانون الدولي قبل الكشف عن مصير معظم المختفين ببلادنا حول كون الاختفاء القسري يؤدي بالضرورة إلى تصفية الضحايا من قبل مرتكبيه.

-  كون المراكز التي استعملت لأغراض احتجاز الأشخاص ضحايا الاختفاء القسري هي مراكز نظامية تابعة لأجهزة الدولة، ولم تكن مراكز سرية بالمعنى الضيق للكلمة لكونها كانت معروفة لدى سكان المناطق المجاورة لها والذين تضرروا بدورهم من جراء استعمالها لأغراض الاحتجاز، وهي في معظمها قصبات ومآثر تاريخية.

-  تعدد الأجهزة الأمنية المسؤولة عن الاختفاء في معظم الحالات؛ فبينما يتم الاعتقال من طرف جهاز أمني معين، يتم تسليم الضحية إلى جهاز أمني آخر، بل أكثر من جهاز في بعض الحالات عندما يتم تنقيل الضحايا من مركز إلى آخر، كما كانت مسؤولية حراسة وتدبير شؤون المراكز التي كانت تأوي المعتقلين تقع على جهة أخرى. فيكون من الثابت إذن أن المسؤولية عن حالات الاختفاء القسري التي حدثت في بلادنا هي مسؤولية مشتركة بين مختلف الأجهزة الأمنية ومن بينها أجهزة كلفت بالأمن في ظروف فرضت ذلك. تتمثل هذه الأجهزة أساسا في الأمن الوطني وجميع الأجهزة الأخرى التابعة له، والدرك الملكي، والجيش الملكي، والقوات المساعدة.

2- الاعتقال التعسفي

على عكس الاختفاء القسري الذي يكون الهدف من ممارسته حرمان ضحيته من أية حماية قانونية، حيث يتم ارتكاب كافة الأفعال المكونة له خارج نطاق القانون مع عدم الاكتراث المطلق بمقتضياته، فإن الاعتقال التعسفي غالبا ما تتم ممارسته في إطار القانون مع خرق بعض أو كل مقتضياته. وغالبا ما كان يتم ذلك في بلادنا من خلال خرق المقتضيات القانونية المنظمة للوضع تحت الحراسة النظرية. وعليه يكون الاعتقال التعسفي بوصفه كذلك قد مورس في بلادنا بكيفية ممنهجة منذ بداية الستينات، خاصة في قضايا ذات صبغة سياسية تدخل في نطاق اختصاص المحاكم العادية. ويمكن القول أن ممارسة الاعتقال التعسفي قد تمت، واقعيا، من خلال منح النيابة العامة والشرطة القضائية سلطة واسعة تتجاوز السلطة المعترف بها لمحاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية، الملزمة بالنطق بعقوبات سالبة للحرية ضمن الحدود المقررة في القانون الجنائي.

وقد طرحت مسألة سلامة هذا الإجراء لأول مرة على المجلس الأعلى في القضية المتعلقة بالمتابعات من أجل المس بسلامة الدولة والتي كانت معروضة على أنظار غرفة الجنايات بمراكش سنة 1971. وقد كان الطعن منصبا على قرار غرفة الاتهام لدى محكمة الاستئناف بمراكش والقاضي برفض ملتمس الدفاع الرامي إلى بطلان محاضر الشرطة المنجزة إثر وضع لا محدود تحت الحراسة. غير أن المجلس الأعلى قد رفض هذا الطعن مكرسا بذلك شرعية اعتقال لا محدود في إطار البحث التمهيدي المنجز من لدن الضابطة القضائية.

أ- خرق المقتضيات القانونية المنظمة للوضع تحت الحراسة النظرية

تمكنت الهيئة من خلال تحليل الحالات المعروضة والمحاكمات في القضايا ذات الصبغة السياسية من الوقوف على أوجه الخروقات التي كانت تطال المقتضيات القانونية المنظمة لفترة الاعتقال السابقة للمحاكمة خلال الوضع تحت الحراسة النظرية ومن بينها على الخصوص:

-  كون محاضر الضابطة القضائية لم تكن مرفقة بإذن كتابي بما يسمح بمراقبة صحة التمديدات التي يفترض، حسب المقتضيات القانونية، ألا يرخص بها إلا كتابة. فلا غرفة الاتهام قبل حذفها ولا المجلس الأعلى خصا هذه الثغرة الخطيرة بما تستحقه من أهمية.

وبما أن عدد التمديدات الضرورية التي يمكن الإذن بها خلال شهر من الوضع تحت الحراسة، في حال تعلق البحث بالمس بأمن الدولة هو 15، فإن العدد خلال سنة قد يتجاوز 180 إذنا. وفي الأحوال التي يستغرق فيها الوضع تحت الحراسة عدة سنوات، فإن عدد التمديدات التي يمكن الإذن بها سيعد بالمئات. ومادام كل إذن كتابي يتطلب، من حيث المبدأ، لجوء ضابط الشرطة القضائية إلى النيابة العامة، فإن من الواضح أن الإجراءات القانونية لم يكن يتم احترامها. كما أن المحامين لم يكن مسموحا لهم بالإطلاع على الوثائق المرخصة بالتمديد ناهيك عن أن القانون لا يفرض الإدلاء بها رفقة محاضر الشرطة. ومن شأن هذا كله أن يحمل على الاعتقاد بأن النيابة العامة لم تكن تمارس أي مراقبة فعلية على ضباط الشرطة القضائية. وعلاوة على ذلك فإن تاريخ الإيقاف غالبا ما كان يتم تزويره. والمحامون ما فتئوا يثيرون هذا الخلل على أساس الوثائق والقرائن، غير أن هذه الوسيلة كان مآلها هو الرفض المنهجي.

-  كما أن الاستنطاق الذي كان يجري بصورة ممنهجة تحت التعذيب غالبا ما كان يرمي إلى الحصول على أجوبة تأكيدية على الأسئلة المطروحة وإلى الكشف عن أسماء "المشاركين". فضباط الشرطة القضائية المكلفين بإعداد المحاضر غالبا ما يعمدون إلى أمر المستنطقين بتحرير تصريحاتهم في الاتجاه المطلوب على أساس الأسئلة المطروحة أثناء الاستنطاق، وكل ذلك تحت التهديد باستئناف حصص التعذيب. وفي نهاية فترة " الاعتقال"، يطلب من الأشخاص الموضوعين تحت الحراسة التوقيع على المحضر تحت التهديد مرة أخرى، دون أن يسمح لهم بقراءة تلك المحاضر إذ غالبا ما تكون أعينهم معصبة.

-  تفيد المعلومات والشهادات التي توفرت للهيئة أنه يتم تقديم الأشخاص الموضوعين تحت الحراسة النظرية إلى السلطة القضائية مقيدي الأيدي ومعصوبي الأعين؛ إذ لا تنزع القيود والعصابات إلا في باب مكتب القاضي. والعديد من الأشخاص ممن يقدمون إلى السلطة القضائية كانوا واقعين تحت صدمة التعذيب وظروف الوضع تحت الحراسة لدرجة تجعلهم غير قادرين على الإدراك أنهم يوجدون في محكمة. فكانت تصريحاتهم التمهيدية، المدلى بها في غياب محام، تقع في بعض الأحيان تحت تأثير الخوف من استئناف التعذيب.

ب- خرق مقتضيات قانونية أخرى متعلقة بشروط المحاكمة العادلة

وبالإضافة إلى ذلك، يمكن القول أن الصبغة التعسفية للاعتقال تترتب أيضا عن خروقات أخرى من قبيل عدم احترام مسطرة إلقاء القبض والأمر بالإحضار وعدم إخبار العائلة وعدم المراقبة والطعن القضائيين والمس بالسلامة البدنية و/أو النفسية للأشخاص المعتقلين.

تجدر الإشارة إلى أنه حسب القانون وخارج إطار إلقاء القبض بناء على أمر بالإيداع في مؤسسة سجنية صادر عن سلطة قضائية، فإن إيقاف الضابطة القضائية لشخص يندرج في إطار البحث التمهيدي أو يأتي تنفيذا لإنابة قضائية يأمر بها قاضي التحقيق. ولا يمكنه بحال أن يبرر الاستعمال غير المناسب للقوة إلا إذا أبدى الشخص مقاومة.

وقفت الهيئة، على ضوء شهادات الضحايا وذويهم على أن الأشخاص الملقى عليهم القبض في قضايا ذات صبغة سياسية لم يكونوا، في الواقع، موضوع مجرد إيقاف. فأعوان الشرطة، الذين كانوا في الغالب يرتدون زيا مدنيا، كانوا يعمدون إلى محاصرة مقر سكنى الشخص المبحوث عنه، ويقتحمونه بفظاظة غير مبررة، في أي وقت شاءوا وغالبا ما يتم ذلك ليلا، ودون أن يكشفوا عن هويتهم. ويكون المقصود من وراء ذلك بث الرعب في سائر أفراد العائلة. وبعد القبض، يزج بالشخص المبحوث عنه في سيارة غير رسمية في الغالب. توضع عصابة على عيني الشخص المقبوض عليه أو طرف الجلباب على رأسه للحيلولة بينه وبين معرفة الاتجاه الذي تقصده السيارة. إن قانون 1959 لم ينص على وجوب إخبار الشخص المعتقل بأسباب اعتقاله ولا على وجوب إخبار أسرته بوقوع الاعتقال. والمراقبة القانونية المخولة قانونا لكل من النيابة العامة ورئيس غرفة الاتهام إلى غاية سنة 1974، ورئيس الغرفة الجنحية لدى محكمة الاستئناف لاحقا، بقيت في الواقع بدون تفعيل.

فالخاصية الأساسية للوضع تحت الحراسة هي ما تحاط به من سرية، ولاسيما في المتابعات من أجل جنايات وجنح ذات صبغة سياسية. فأسرة الشخص المعني لا تعلم أي شيء عن مصيره. وفي حالات المتابعة من أجل المس بأمن الدولة كان مآل كل مسعى استثنائي لدى الضابطة القضائية أو لدى إحدى مصالح إدارة الأمن الوطني من أجل الحصول على معلومات حول الشخص المعتقل هو الفشل. بل قد يكون مصدر مشاكل ومتاعب بالنسبة لمن يقوم به. ونفس الأمر ينطبق على المساعي المبذولة لدى النيابة العامة التي يفترض فيها مراقبة الضابطة القضائية.

غير أن المقتضيات القانونية ذات الصلة قد خضعت للمراجعة سنة 1991، حيث أصبحت تنص على وجوب إخبار ضابط الشرطة القضائية لعائلة الشخص الموقوف بمجرد أن يقرر وضعه تحت الحراسة. كما أن هذا الضابط ملزم بأن يوجه يوميا إلى وكيل الملك وإلى الوكيل العام للملك لائحة تضم أسماء الأشخاص الموضوعين تحت الحراسة خلال الثماني والأربعين ساعة المنصرمة. ومع ذلك فإن عدم احترام الواجب المتعلق بإخبار العائلة يبقى قابلا للخرق ما لم يتم النص على عقوبات جزائية أو تأديبية في حق مخالفيه.

ج- ظروف الاعتقال

أما عن ظروف الاعتقال في الفترة السابقة للمحاكمة في الوضع المفترض فيه أنه حراسة نظرية، فبصفة عامة يمكن القول أنها كانت تتميز بما يلي:

-   إجبار المعتقل على البقاء باستمرار ومنذ حلوله بالمعتقل غير النظامي، باستثناء الفترات التي يتعرض فيها للتعذيب، في وضعية ثابتة، إما قعودا أو انبطاحا على الأرض، مقيد اليدين ومعصوب العينين؛

-   منع الكلام والتواصل بين السجناء؛

-   سوء التغذية من حيث الكيف والكم؛

-   عدم السماح بالذهاب إلى أماكن النظافة إلا نادرا وحسب مشيئة الحراس؛

-   انعدام الشروط الأولية للنظافة وعدم السماح للمعتقل بالاستحمام إلا بعد شهور من الاعتقال. وقد كان هذا الوضع يتسبب للنساء في معاناة نفسية خاصة خلال فترات الحيض. كما يكون القمل منتشرا وتكون المواد الكيماوية المستعملة في بعض المناسبات في سبيل القضاء عليه عديمة المفعول.

-   عدم تقديم العلاجات، في حال المرض، وبالنسبة لحالات الاستعجال القصوى، إلا بعد فوات الأوان.

-   حرمان النساء في حالات معينة من المساعدة الطبية في حالة إسقاط الجنين أو الوضع.

ومن خلال التحريات التي قامت بها الهيئة تم الوقوف، بالإضافة إلى المراكز التي استعملت لأغراض الاحتجاز في حالات الاختفاء القسري، على مراكز غير نظامية أو نظامية استعملت لأغراض الاعتقال التعسفي.

د- أماكن الاعتقال التعسفي

مكنت المعلومات المحصل عليها من الضحايا ومن الشهود المستمع إليهم والمعاينات الميدانية التي قامت بها الهيئة بتحديد مجموعة من الأماكن والمراكز التي استعملت لأغراض الاعتقال التعسفي. وتبين للهيئة أن بعض الأجهزة الأمنية عملت، خلال الفترات التي عرفت حدوث انتهاكات جسيمة، على إحكام السيطرة عليها لضمان التستر على الانتهاكات المرتكبة بها. كما شمل هذا التستر أيضا الأجنحة الخاصة باستقبال ضحايا التعذيب بالمستشفيات وأماكن دفن الضحايا المتوفين. ومن بين تلك المراكز والمعتقلات وقفت الهيئة على ما يلي:

المقرات الوظيفية:

يقصد بها المقرات التي تم استعمالها لاعتقال واستنطاق الأشخاص في القضايا ذات الصبغة السياسية ومن بينها:

-   الدائرة السابعة للشرطة بالدار البيضاء خلال الخمسينات. يوجد بداخل هذه المؤسسة، التي كانت خلال عهد الحماية مفوضية للشرطة، جناح خاص احتضن أول مصلحة سرية للدولة غداة الاستقلال، علما أن الشرطة كانت حتى ذلك الحين مؤطرة من لدن الفرنسيين في الجنوب ومن لدن الإسبان في الشمال. فهذه المصلحة التي كانت تابعة، كما هو شأن باقي مرافق المؤسسة لإدارة الأمن الوطني، كان يؤطرها مقاومون قدماء.

-   مفوضية درب مولاي الشريف بالدار البيضاء تم استعمالها منذ نهاية الخمسينات لأغراض الاعتقال التعسفي، وهي تابعة منذ إنشائها للفرقة الوطنية للضابطة القضائية. فمعظم المعتقلين في القضايا ذات الصبغة السياسية تعرضوا للاعتقال بها. استعملت كمركز اعتقال و تعذيب في الفترة ما بين 1959 و 1991. ومع أن المركز تابع للشرطة القضائية التي تشرف على تنظيم احتجاز المعتقلين، فإن مصالح أمنية أخرى كانت تباشر أحيانا عملية الاستنطاق و التعذيب به. و يؤمن حراسة المركز بالتناوب أربعة فرق حراسة تابعة للوحدة المتنقلة الثالثة والرابعة. وقد كان عدد المعتقلين بالمركز يتراوح بين 40 و 300 معتقل حسب الفترات. بمجرد وصول المعتقلين، يتم تجريدهم من ملابسهم المدنية ويلبسون لباسا عسكريا (الكاكي) : قميص وسروال. وخلال سنوات الستينات كان المعتقلون، نساء ورجالا ينامون على الأرض مباشرة ليصبح من حق المعتقلين في السبعينات غطائين و يصبح من حق النساء استعمال الأسرة العسكرية.

خلال مدة الاعتقال، التي قد تتراوح بين أيام و سنوات، تنقطع صلة المعتقل بالعالم الخارجي ( العائلة، المحامون، الصحافة...) و يرغم على الجلوس في وضعية القرفصاء و يمنع عليه تبادل الحديث مع غيره من المعتقلين.

و قد اشتهر درب مولاي الشريف باستعمال صنوف التعذيب المختلفة على المعتقلين.

المخافر العادية

حيث كانت تجري أحيانا استنطاقات تمهيدية قبل نقل الموقوفين إلى مكان وظيفي أو غير وظيفي للاعتقال؛ ومن بينها:

-   مركز قوات التدخل السريع بالعيون؛

-   مخافر الدرك التي كانت في الغالب محطات عبور؛

المقرات غير الوظيفية

-   المركب( الكومبلكس)

عبارة عن بناية تقع وسط حي سكني يقطنه موظفون تابعون لسلك الشرطة، بشارع ماء العينين بأكدال، على مقربة من ثكنة رجال المطافئ و مستشفى إبن سينا.

استعمل كمركز للاحتجاز التعسفي منذ بداية السبعينات، ووصل الاحتجاز به ذروته ما بين 1973 و 1976، خاصة إثر أحداث مارس 1973. و حسب ما تتوفر عليه الهيئة من معطيات، فإن آخر حالة تم احتجازها به هي حالة برلماني هولندي من أصل مغربي.

المركز عبارة عن عمارة بها نوافذ مغلقة تطل على ثكنة رجال المطافئ ومرآب إصلاح سيارات رجال الشرطة.

معتقل "الكوربيس"

يوجد بمدينة الدار البيضاء على مقربة من طريق الجديدة ( قرب كلية الحقوق) وتحديدا داخل مجال مطار آنفا. وهو عبارة عن بناية تم تشييدها في الثلاثينات من القرن العشرين لإصلاح الأعطاب الميكانيكية للطائرات العسكرية الفرنسية. وتتكون من أربعة مخازن كبرى ذات سقف عال من الزنك. و يتوسط كل مخزن مصطبة عالية من الإسمنت المسلح كانت تستعمل لغاية إنزال محركات الطائرات التي يتم إصلاحها. واستعمل مع النصف الأول من عقد السبعينات كمركز للاحتجاز، وخاصة في الفترة ما بين شهر فبراير 1973 وشهر أبريل 1974.

-   النقط الثابتة تعتبر النقط التابثة بمثابة مراكز احتجاز بمناطق توجد في محور الدارالبيضاء-الرباط، كان يستعملها جهاز المخابرات المعروف ب( الكاب 1) للاحتجاز والاستنطاق والتعذيب.

وقد قامت الهيئة بزيارات معاينة لبعضها ومنها:

-   النقطة الثابتة الثانية، المعروفة بـ" دار المقري". كانت مكونة من دار سكنى المقري القديمة واستعملت كمركز للاحتجاز خلال الستينات إلى حدود بداية سنة 1973. تم تدمير المنزل وتحويل الضيعة بكاملها إلى مقر للجهاز الجديد "المديرية العامة للدراسات والمستندات"

-   أما النقطة الثابتة الرابعة، فهي عبارة عن فيلا توجد في شارع طريق زعير بالرباط؛ وهي التي اشتهرت خطأ بالنقطة الثابتة رقم 3 ، حيث كانت تحتوي على زنازن احتجز بها الحسين المانوزي والإخوة بوريكات و أربعة ضباط منذ ابريل 1973 إلى بداية غشت 1975.

3. التعذيب وسوء المعاملة

مكن تحليل المعطيات التي تتضمنها الملفات المعروضة على الهيئة، وكذا الشهادات الشفوية المقدمة خلال جلسات الاستماع العمومية والمغلقة المنظمة بمقر الهيئة، من الوقوف على طرق مختلفة مورست بشكل منهجي لتعذيب المعتقلين قصد انتزاع اعترافات منهم أو معاقبتهم في الفترة الزمنية موضوع اختصاص الهيئة. كما مكنت المقارنات المجراة بين الأوصاف المقدمة من قبل الضحايا من التوصل إلى الخلاصات التالية:

-   تتنوع أساليب التعذيب المتبعة حسب طبيعتها من حيث كونها تستهدف إيقاع إما ألم مادي أو معنوي أو هما معا؛

-   من بين الأشكال المتبعة لإيقاع الألم الجسدي يمكن ذكر:

o " التعلاق" بشتى أشكاله والمصحوب بالضرب على الأرجل وأجزاء أخرى من البدن؛

o الكي بواسطة السجائر؛

o اقتلاع الأظافر؛

o الإرغام على شرب مواد ملوثة؛

o الإرغام على الجلوس على قنينة؛

وبالإضافة إلى الضرر النفسي والألم الجسدي المترتب عن ذلك، فقد تسببت هذه الأساليب في بعض الحالات في إصابات خطيرة نتجت عنها مخلفات نفسية وعاهات مستديمة. بل أدت خطورة التعذيب الممارس إلى الوفاة في حالات معينة.

-   ومن بين الأشكال المتبعة لإلحاق الأذى النفسي بالمعتقلين يمكن ذكر:

o التهديد بالقتل؛

o التهديد بالاغتصاب؛

o السب والقذف واستعمال كافة الوسائل الأخرى التي من شأنها الحط من الكرامة؛

o وضع أصفاد باليدين وعصابة على العينين قصد حجب الرؤيا والمنع من الحركة؛

o العزل عن العالم الخارجي وما ينتج عنه من إحساس بانعدام الأمان؛

o الحرمان من النوم؛

o المنع المطلق من الحديث مع باقي المعتقلين؛

o تعذيب أحد أفراد العائلة أو الأقارب أو التهديد بذلك؛

يمكن القول أن ممارسة التعذيب كانت الوسيلة المفضلة المعتمدة في الاستنطاق والتحقيق مع المعتقلين في القضايا ذات الصبغة السياسية. حيث أنه لم يعد الهدف من وراء اللجوء إليه نزع الاعترافات فحسب، بل أيضا المعاقبة والانتقام والإذلال الجسدي والمعنوي للمتهمين. والجدير بالإشارة أن الرغبة في الحصول على الاعتراف بأية وسيلة والمزاجية وانعدام المهنية، تعتبر كلها عوامل ساعدت على توسيع نطاق ممارسة التعذيب ليشمل حتى الأشخاص المتابعين في جرائم الحق العام.

علاوة على مختلف أشكال التعذيب المذكورة، فإن معاناة النساء تكون أكثر حدة، حيث تتعرض خلال المرحلة السابقة للمتابعة القضائية، لأشكال خاصة من التعذيب. ويرجع ذلك إلى كون التعذيب الممارس على المرأة يتولى القيام به رجال دونما اعتبار لكرامة الضحية، حيث يفرض عليها أحيانا أن تبقى عارية أمام جلاديها وما يرافقه من خطر الاغتصاب والتهديد به كهاجس وكفعل في بعض الأحيان.

وتتضاعف معاناة النساء عندما يستعمل الحرمان من وسائل النظافة أثناء فترات الحيض كوسيلة للإمعان في تعذيبهن.

4-الاستعمال المفرط وغير المتناسب للقوة العمومية

مكن تحليل المعطيات والمعلومات المستقاة من مختلف المصادر، ذات الصلة بالانتهاكات الجسيمة موضوع اختصاص الهيئة، وكذا التحريات المجراة، من الوقوف على مسؤولية أجهزة أمنية مختلفة عن تلك الانتهاكات، في معظم الحالات المعروضة على الهيئة. بل ثبت للهيئة في العديد من الحالات وجود مسؤولية مشتركة، وفي بعض الحالات تضامنية، بين أجهزة متعددة. ولتيسير تحليل المسؤولية السياسية والقانونية الناتجة عن أعمال وتدخلات تلك الأجهزة، يجدر التذكير بالأنظمة القانونية المنظمة لها.

4-1- الأنظمة القانونية للأجهزة الأمنية

-   النظام الأساسي للوظيفة العمومية: ينص النظام الأساسي للوظيفة العمومية على مسؤولية كل موظف عن تنفيذ المهام الموكولة إليه، وعلى مسؤوليته تجاه رؤسائه عن السلطة المسندة إليه وعن تنفيذ ما يتلقاه من أوامر (الفصل 17)، دون أن يقيم أدنى تمييز فيما يتعلق بطبيعة هذه الأوامر . كما ينص أيضا على حماية الموظفين من التهديد و المس والسب والافتراء ومن الاعتداءات التي قد يكونون ضحية لها أثناء مزاولتهم لوظائفهم (الفصل 19). غير أنه لا ينص في المقابل على أي التزام باحترام حقوق المواطن وحمايتها من كل تعسف محتمل.

-   النظام القانوني للأجهزة الأمنية

أ‌- الإدارة العامة للأمن الوطني:

تنتظم إدارة الأمن الوطني في ثلاثة فروع أساسية وهي الأمن الوطني والاستعلامات العامة والضابطة القضائية. كما تتوفر على مصلحة خاصة بالأرشيف. ولا يتضمن ظهير 16 ماي 1956 المحدث لهذه الإدارة أي مقتضى بخصوص طبيعة روابطها مع وزارة الداخلية. وبالفعل فإن الإدارة العامة للأمن الوطني غالبا ما حافظت على نوع من الاستقلال الذي تختلف درجته باختلاف الظرفية وحسب الشخص الموكول إليه أمر إدارتها. وقد جعل مرسوم 9 أبريل 1973، وهو بمثابة نظام خاص لهذه الإدارة، من موظفي الأمن الوطني شريحة خاصة داخل الوظيفة العمومية، وذلك بحكم "الصبغة الخاصة للمهام التي يمارسونها والمسؤوليات الاستثنائية التي يضطلعون بها". ولا يفرض هذا النظام على هؤلاء الموظفين أي التزام في علاقاتهم مع المواطنين.

ب-الدرك الملكي

يشكل جزءا من القوات المسلحة الملكية وهو خاضع، من ثمة، للضوابط العسكرية؛ غير أنه يخضع فيما يقوم به من مهام الضابطة القضائية لمقتضيات قانون المسطرة الجنائية. أنيط بهذا الجهاز، بمقتضى ظهير 24 أبريل 1957 المحدث له، مهمة السهر على الأمن الوطني وحفظ النظام وتطبيق القوانين. وإن كان يخضع فيما يقوم به من مهام الشرطة القضائية لوزير العدل، فإنه يخضع فيما يضطلع به من مهام الشرطة الإدارية لوزير الداخلية. ويمارس الدرك الملكي بموجب الفصل 7 من ظهير 14 يناير 1958 مهام عادية ومهام استثنائية يقوم بها في إطار التكليف أو الاستجابة لطلبات المساعدة التي تتقدم بها مختلف السلطات. ويمارس مراقبة دائمة "للحيلولة دون المس بالنظام العام ولزجر مرتكبي هذا المس عند الاقتضاء". وتستهدف مراقبة مرتكبي مختلف الجرائم بمن فيهم أولئك الذين ينعتهم هذا القانون نفسه بعبارة فضفاضة بكونهم أشخاصا "لا ضمير لهم ومشكوكا في وطنيتهم" (الفصلان 6 و 102 من نفس الظهير). مع ذلك فإنه يعتبر من باب الشطط في استعمال السلطة الذي يستوجب المتابعة القضائية و/أو التأديبية، كل عمل يقوم به عنصر من الدرك ويكون من شأنه ’المس بالحرية الفردية أو الحريات التي يقرها القانون" (الفصل 55).

ج-مديرية المحافظة على التراب الوطني

تم إحداثها بمقتضى ظهير 12 يناير 1973. وقد أصبحت تابعة للإدارة العامة للأمن الوطني بموجب ظهير 2 يناير 1974 المعدل لظهير إحداثها، بعد أن كانت تابعة لوزير الداخلية. ويعهد إليها "بالسهر على حماية أمن الدولة ومؤسساتها والحفاظ عليها". ويحدد مديرها المعين بظهير قواعد عمل هذا الجهاز ومهام مصالحه وفرقه.

د-قوات التدخل السريع

تم إحداثها بمقتضى قرار الإقامة العامة المؤرخ بتاريخ 26 يناير 1956 حيث حلت محل الفرق الخاصة للشرطة. ولا يخضع هذا الجهاز الأمني التابع لوزارة الداخلية لنظام خاص.

هـ-القوات المساعدة

تخضع للظهير بمثابة قانون الصادر بتاريخ 12 أبريل 1976، وتضطلع في نطاق المهام الموكولة إليها بالمحافظة على النظام والأمن العمومي إلى جانب قوات حفظ النظام الأخرى. وهي منتظمة في شكل وحدات تدخل يمكن اللجوء إليها على امتداد التراب الوطني في كل لحظة وفي كل مكان. وتخضع القوات المساعدة للأنظمة العسكرية ولوصاية وزير الداخلية. وتساعد الولاة والعمال قيادة إقليمية مكلفة بمراقبة وحدات القوات المساعدة.

-   مسؤولية الولاة والعمال في حفظ النظام العام

أ-منشور 1959

إن المنشور المؤرخ بتاريخ 3 يناير 1959 والمتعلق بالحفاظ على النظام العام وبالتسخير موجه إلى عمال العمالات والأقاليم. فهو يذكرهم على وجه الخصوص بمسؤوليتهم في مجال الحفاظ على الأمن مشددا على واجب "تأمين حماية الحياة والحفاظ على ممتلكات المواطنين المادية وتراثهم الروحي"، والوقاية من كل اضطراب يكون من شأنه المس بهما. وفي حال وقوع اضطراب في الأمن العمومي فإن جميع عناصر القوة العمومية التي يمكن الاستعانة بها "على التوالي أو في نفس الوقت توضع رهن إشارتهم وفق شروط محددة":

-   فالقوات المساعدة توضع مباشرة رهن إشارتهم "في حال وقوع أحداث من شأنها الإخلال بالنظام العام"؛

-   والدرك، " في حال وقوع اضطرابات لم تتمكن الشرطة والقوات المساعدة من القضاء عليها"؛

-   والجيش الملكي " في حال وقوع اضطرابات خطيرة أو تمرد وعصيان".

وينبغي في هذه الأحوال أن يكون التسخير كتابيا وأن يبين المكان والزمان والتعليمات العامة. أما وسائل التدخل فيبقى أمر اختيارها للسلطة العسكرية. غير أنه يمكن في حالة الاستعجال القصوى طلب التدخل بواسطة التلغراف أو الهاتف شريطة تأكيده كتابة. "وتكون كل عملية من هذه العمليات موضوع تقرير يوجه فورا عبر التلكس إلى وزير الداخلية". إن هذه المذكرة، المنشورة بكيفية مثيرة للاستغراب، في الجريدة الرسمية مع أنها تكتسي صبغة داخلية، قد وقع إعمالها مبدئيا في أحداث مارس 1965. وكان ينبغي أن ننتظر حلول سنة 1977 لتصبح صلاحيات العمال موضوع نص قانوني.

ب-صلاحيات العمال بدءا من سنة 1977

يعهد إلى العامل بموجب ظهير بمثابة قانون المؤرخ بتاريخ 15 فبراير 1977 "بحفظ النظام في العمالة أو الإقليم. ويمكنه أن يستعمل القوات المساعدة وقوات الشرطة وأن يستعين بالدرك الملكي والقوات المسلحة الملكية وفق الشروط المقررة في القانون" (الفصل3) .

وتجدر الإشارة إلى أن شروط استعمال القوة العمومية وشكلياتها غير محددة في القانون من جهة وأنه يتبين من جهة ثانية من خلال المعلومات المحصل عليها أن السلطة السياسية المركزية هي التي قررت ودبرت استعمال القوات العسكرية إبان الأحداث الاجتماعية.

4-2- خلاصات عامة حول الانتهاكات المترتبة عن الاستعمال غير المتناسب للقوة العمومية

تضمن العهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان الحق في الحياة باعتباره الحق الأساسي الذي تنبني عليه سائر حقوق الإنسان. كما يعتبر واحدا من بين الحقوق غير القابلة للتقييد في أي وقت كان بما في ذلك أوقات الحرب أو حالات الطوارئ والاستثناء.

مكن تحليل الملفات المعروضة على الهيئة ذات الصلة بالأحداث الواقعة خلال سنوات 1965 و1981 و1984 و1990، والتحريات والدراسات التي أجرتها حول الموضوع من التوصل إلى الخلاصات التالية:

-  شهدت تلك الأحداث ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان تمثلت أساسا في المس بالحق في الحياة لعدد من المواطنين من بينهم أطفال ومن بينهم أيضا أشخاص لم تكن لهم أية مشاركة في تلك الأحداث؛
-  كانت تلك الانتهاكات نتيجة لعدم الالتزام بالمعايير والمبادئ الدولية في مجال حقوق الإنسان ذات الصلة بشروط وقيود استعمال القوة العمومية، ترتب عنه استعمال غير متناسب ومفرط لتلك القوة مما تسبب في حدوث وفيات؛

-  مكنت نتائج التحريات المجراة وكذا تحليل الوقائع المرتبطة بتلك الأحداث من الوقوف على قيام السلطات بإطلاق النار بالذخيرة الحية، في العديد من الحالات، وعدم اللجوء إلى استعمال وسائل أخرى تمكن من تفريق المظاهرات دون حدوث وفيات؛

-  ويستفاد مما هو مثبت في مختلف السجلات والشهادات المتعلقة بالأحداث المعنية، أن العديد من الضحايا قد توفوا نتيجة إصابتهم بالرصاص في مستوى الجمجمة أو القفص الصدري أو البطن؛

-  سجلت الهيئة عددا مهما من الأطفال من بين المتوفين، بعضهم لا يتجاوز العاشرة من عمره؛

-  قامت الأجهزة المتدخلة، في بعض الحالات، بإطلاق النار داخل المنازل من خلال نوافذ مفتوحة أو من خلال الأبواب، وأصابت أشخاصا من بينهم أطفال وشيوخ ونساء، بعضهم توفي من جراء طلقات الرصاص. وتؤكد هذه الوقائع شهادات قدمت أمام الهيئة، كما تؤكدها سجلات حفظ الأموات التي أثبتت وقوع حالات سحب جثث من داخل المنازل؛

-   عند لجوئها إلى سحب جثت الضحايا الذين أصيبوا داخل منازلهم، حرمت الأجهزة المتدخلة عائلات المتوفين من معرفة الوجهة التي أخذت إليها وتم التستر عن مكان الدفن، بل إن السلطة رفضت إدراج المتوفين في سجلات تقييد الوفيات بالمصالح المختصة؛

-   إحجام رجال السلطة عن تقديم العون والمساعدة لمواطنين مصابين بما في ذلك أطفال توفوا نتيجة إطلاق الرصاص؛

-   سجلت الهيئة ممارسات صدرت عن السلطات في بعض الحالات تتعلق بعدم احترام الأموات وذلك بنقلهم مكدسين في شاحنات، بشكل لا يقيم وزنا لحرمة الأموات؛

-   وقفت الهيئة على أماكن دفن ضحايا الأحداث الاجتماعية في حالات متعددة، وسجلت أن عمليات الدفن في هذه الحالات، رغم مراعاتها للطقوس الدينية المرعية وحدوثها في مقابر نظامية، قد تمت ليلا ودون إعلام العائلات ودون حضورها في أغلب الحالات المسجلة. وفي مناسبات أخرى، سجلت الهيئة حالات لم تحترم فيها هذه الطقوس، ولم يدفن فيها الضحايا بطريقة نظامية؛

-   تأكدت الهيئة في كل الحالات المتحرى بشأنها، من أن السلطات الأمنية لم تحط النيابة العامة علما بالوفيات وبعددها وبأسبابها، ما عدا في حالة واحدة. وهو ما جعل عمليات الدفن تجري دون علم النيابة العامة ودون قيام المصالح الطبية بالتشريح الذي يفرضه القانون. كما أن النيابة العامة لم تسع إلى فتح تحقيق بصدد الأحداث المذكورة، على الرغم من صدور بلاغات رسمية في شأنها، تقر بحدوث وفيات؛

-   تضمنت البلاغات الرسمية المنشورة عقب كل هذه الأحداث، ما عدا في حالة واحدة (الناظور 1984)، وبشكل منهجي، معلومات خاطئة عن عدد الوفيات وأسبابها؛

5- خلاصات واستنتاجات

ترى الهيئة في نهاية ولايتها أن المهام التي قامت بها تفعيلا لكل اختصاصاتها، شكلت خطوة مهمة في النهوض بالحق في معرفة الحقيقة، من خلال ما ابتدعته من طرق وأشكال لم تكن معهودة، ساهمت في الرفع من مستوى الكشف عن الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي شهدتها بلادنا خلال الفترة السابقة.

ساهمت الشهادات الشفوية، كواحدة من بين المصادر المعتمدة من قبل الهيئة، في توضيح ملابسات الوقائع المرتبطة بالأحداث موضوع التحريات. غير أنه تم تسجيل محدوديتها وهشاشتها في بعض الحالات، حيث تم الحديث عن نفس الوقائع بطرق مغايرة، بل ومتعارضة أحيانا، من قبل فاعلين عايشوها مما جعلها لا تفيد إلا جزئيا في الكشف عن الحقيقة في حالات معينة. وقد تم التغلب على هذا العائق من خلال اللجوء إلى تقاطع المعطيات الواردة بتلك الشهادات، مع معلومات مستقاة من مصادر أخرى، وخصوصا الوثائق والسجلات الرسمية.

أفادت السجلات والوثائق الرسمية في استجلاء الحقيقة حول العديد من الوقائع ذات الصلة بملفات وقضايا لم يكن من اليسير التوصل بشأنها إلى قناعة ثابتة دون مقارنة ما توفر بصددها من معلومات متنوعة ومتعددة بما هو مدون رسميا في سجلات ممسوكة من قبل إدارات عمومية مختلفة. إلا أن الهيئة وقفت في مناسبات عديدة على الحالة المزرية للأرشيف فضلا عن غياب إطار قانوني موحد لضبطه وتنظيمه وتدبير الولوج إليه وترتيب الجزاءات عن إتلافه أو تدميره. كما أنها لم تتمكن من الاطلاع على جزء من السجلات الرسمية تفترض أنها موجودة إما بسبب التردد أو التأخر في تسليمها لها أو لم تتمكن، بحكم أجل عملها المحدود من الاستغلال الكامل لوثائق وسجلات من الأرشيف قبلت بعض المؤسسات وضعه رهن إشارة الهيئة. [الأرشيف العسكري المتعلق بتاريخ النزاع المسلح بالأقاليم الجنوبية للمملكة].

مكّن التعاون الفعال للمصالح المركزية والإقليمية التابعة لوزارة الداخلية، من الاستفادة بشكل كبير من التسهيلات المقدمة من طرفها في إنجاز مهام الهيئة الميدانية. وأفضى هذا التعاون أيضا إلى تسهيل وصول الهيئة إلى العديد من الشهود من مختلف الرتب والدرجات الإدارية، الذين ساهمت شهاداتهم في استجلاء العديد من الوقائع.

وبالإضافة إلى ذلك، تم عقد جلسات عمل منتظمة مع المديرية العامة للدراسات والمستندات والمديرية العامة للأمن الوطني، ساهمت في فتح سبل جديدة للتحري بخصوص عدد من الحالات من خلال تسهيلها لعملية الاستماع لبعض المسؤولين السابقين، ولزيارة بعض المراكز و"النقط الثابتة" التي استعملت في الستينات والسبعينات لأغراض الاحتجاز. غير أن هذا المستوى من التعاون لم يشمل كافة الأجهزة، حيث قدم البعض منها أجوبة ناقصة عن ملفات عرضت عليها.

ساهمت جلسات العمل التي عقدت على مستوى عال مع القوات المسلحة الملكية، في وقت مبكر من انطلاق أشغال الهيئة، في التقدم الذي أحرزته في مهامها سواء فيما يتعلق بحالات مجهولي المصير أو بتحليل سياقات الانتهاكات في الأقاليم الجنوبية. كما ساهمت جلسات الاستماع المغلقة لبعض المسؤولين السابقين، في إحراز تقدم في بعض الحالات، غير أن الهيئة سجلت في حالات أخرى، نقصا في الشهادات المقدمة.

كما رفض بعض المسؤولين السابقين، تقديم شهاداتهم أمام الهيئة، مما حرمها من مصادر معلومات قد يكون من شأنها المساهمة في استجلاء حقيقة الوقائع المتحرى بشأنها. ترتب عن تعدد الأجهزة الأمنية المتدخلة قصد حفظ النظام العام أثناء الأحداث الاجتماعية، بشكل متعاقب، أو متواز، أو متداخل صعوبة تحديد درجة مسؤولية كل جهاز من تلك الأجهزة في الانتهاكات الجسيمة المرتكبة في تلك الأحداث.

طباعة ارسل الصفحة أعلى الصفحة
مفكرة

" لا ينحصر الأمر في تقاسم معرفة ما حدث في الماضي وإعادة تملكه، بل يتعداه، عبر الجدل البنّاء، إلى التحفيز حاضرا، على إبداع معايير وقواعد عيش مشترك، يسهم الجميع من خلالها في بناء المستقبل..."
إدريس بنزكري

المجلس الاستشاري لحقوق الانسان ساحة الشهداء ، ص ب 1341
الهاتف : + 212 37 72 22 07
الفاكس: +212 37 72 68 56
البريد الالكتروني : ccdh@ccdh.org.ma