Royaume du Maroc - Instance Equité et Réconciliation

عرض حول الحصيلة المرحلية لأعمـال هيئة الإنصاف و المصالحة

أتشرف بأن استعرض أمامكم هذا التقرير الثالث حول تقدم أشغال هيئة الإنصاف والمصالحة في الشهور الثلاثة الماضية، بعد أن أحطتكم علما، في الاجتماعين 21 و 22 الماضيين للمجلس بسير أشغال الهيئة خلال الفترة الممتدة من يناير إلى أبريل ثم إلى يوليو.

لقد أكملت هيئة الإنصاف والمصالحة حاليا نصف المدة الزمنية المحددة لإنجاز مهامها، وستركز كل برامجها حاليا لاستثمار نتائج مختلف أشغالها في المدة المتبقية من أجل إتمام التقرير النهائي ووضع التوصيات والمقترحات، وتنفيذ مقاربتها لجبر الضرر والبت في الملفات المعروضة عليها من طرف الطالبين الضحايا، ومختلف الأطراف المعنية، الحقوقية والسياسية وتنظيم جلسات الاستماع العمومية، و الإعلان عن ما توصلت إليه من نتائج و حلول حول الانتهاكات موضوع البحث.

1- التحريات بشأن المختفين ومجهولي المصير:

قامت الهيئة في مرحلة أولى بمراجعة و مقارنة اللوائح و التقارير المختلفة حول حالات المختفين ومجهولي المصير الموضوعة من مصادر وطنية و دولية مختلفة، بما فيها لوائح المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان و فريق عمل الأمم المتحدة المكلف بالاختفاء القسري. تم دونت شهادات عائلات الضحايا و إفادات الشهود. و ما تزال الهيئة تجري التحريات التكميلية الضرورية لاستجلاء الحقيقة في عدد من الملفات الصعبة أو المستعصية.

و تعتزم الهيئة مواصلة اتصالاتها، في شهر نونبر القادم، مع السلطات المعنية بالملفات قيد الدرس، و بعد تقييم أبحاثها و التشاور مع الضحايا و دويهم ستعلن عن النتائج المتوصل إليها حول حالات الاختفاء و الحلول التي تقترحها بشأن مجهولي المصير وأماكن دفن الأشخاص المتوفين، وتدابير الإنصاف و جبر الضرر الفردية أو الجماعية المترتبة عن دلك.

وستواصل الهيئة بالموازاة مع دلك، طيلة الشهور الثلاثة القادمة، اتصالاتها و استشاراتها للضحايا و دويهم و للسكان المعنيين في بعض جهات المملكة و منها الحسيمة و السمارة و الراشيدية و زاكورة و ازيلال و خنيفرة للمساهمة في جبر الضرر الجماعي و إعادة الاعتبار للمشاركة المنتجة و النافعة للمجتمع ككل في بناء المستقبل و تجاوز سلبيات الماضي.

2- معالجة وتصنيف الطلبات:

مرت عملية دراسة الطلبات و تجهيزها أوليا من مراحل مختلفة. فقد وثقت الهيئة ما يناهز 20.000 طلبا أو شكوى، حوالي 50% منها طلبات كانت قد قدمت خارج اجل تلقي الطلبات لدى هيئة التحكيم المكلفة بالتعويض سابقا وأحيلت على الهيئة من طرف المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان و 50% توصلت بها هيئة الإنصاف و المصالحة مباشرة بعد إحداثها.

وقد تم تسجيل هده الطلبات وفحصها و تجهيزها أوليا في قاعدة بيانات معلوماتية متطورة، وضعتها الهيئة وفق المعايير الدولية المعمول بها لتوثيق الانتهاكات و سياقاتها. وقد جندت، بالإضافة إلى الطاقم الإداري المتخصص في نظام المعلومات و تدبير الأرشيف ما يزيد عن 100 باحث مساعد في عملية التمحيص والمعالجة الأولية لتلك الطلبات.

و قد مكن هذا العمل في مرحلة لاحقة من فرز الطلبات المتكررة أو الطالبين المتعددين في نفس النوازل و تم التوصل إلى استخراج و خلق حوالي 14.000 ملف تهم ضحايا مباشرين أو أقارب أو ذوي حقوق. و قد تطلبت هذه الملفات بدورها تحريات إضافية و متنوعة ما تزال متواصلة لاستكمال المعلومات حول الضحايا أو الانتهاكات أو المسؤوليات أو لجمع الوثائق و المستندات الضرورية للبث في كل حالة.

ويسمح العمل بقاعدة البيانات، بحسب التقدم في تعبئة و استكمال المعطيات، باعتماد تصنيفات و إحصائيات أولية لمختلف الملفات حسب المجموعات و فئات الضحايا أو أصناف الانتهاكات أو السياقات والأحداث المرتبطة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

و يكتسي هدا العمل التصنيفي والتحليلي أهمية بالغة في المرحلة الحالية من عمل الهيئة لتدقيق الأبحاث حول حقيقة الانتهاكات و تقدير طلبات جبر الضرر و الإنصاف، وكدا لوضع شبكة موضوعية لاقتراح نماذج و نسب المتدخلين و المتدخلات و أصناف الانتهاكات والموضوعات التي يمكن أن تدرج في جلسات الاستماع العمومية.

و علاوة على أن قاعدة بيانات طلبات الضحايا ستشكل مادة التحليل الإحصائي النوعي للانتهاكات الذي سيضمن في التقرير الختامي للهيئة، فإنها تعد أرشيفا يدون لذاكرة الانتهاكات و معاناة ضحاياها سيحفظ للمستقبل و يفيد الدارسين و المهتمين.

3- جبر الضرر و إنصاف الضحايا:

لقد حدد النظام الأساسي لهيئة الإنصاف و المصالحة مفهوما جديدا لجبر الضرر، يشكل التعويض شكلا من أشكاله، يتمفصل مع الأهداف العامة المرتبطة بالحقيقة و الإنصاف والمصالحة.

و تعمل الهيئة حاليا على بلورة سياسة عامة و مندمجة لأشكال جبر الضررالملائمة بما فيها التعويض أو تدابير جبر الضرر على النطاق الجماعي على صعيد المناطق المتضررة من الانتهاكات الجسيمة، و البث في معايير تقدير واحتساب التعويضات.

و قد أنجز فريق الهيئة المكلف بجبر الأضرار وثيقة مرجعية هامة تدون لأعمال هيئة التحكيم المستقلة والقواعد و المقاييس التي اعتمدتها لتقدير و احتساب التعويضات المادية و المعنوية المستحقة للضحايا و دوي حقوقهم.

و تأخذ الهيئة في اعتبارها، في كل الأعمال و البرامج التي تنفذها لاستكمال التسوية العادلة و المنصفة لملفات الماضي في نطاق فلسفة العدالة الانتقالية، أن جبر الضرر بما فيه التعويض يرتبط و يتكامل مع إقرار الحقيقة حول الانتهاكات و إنصاف الضحايا والاعتراف بمعاناتهم من جراء المس بكرامتهم الإنسانية و بحقوقهم و حرياتهم الأساسية بغض النظر عن المواقف و الأحداث المرتبطة بالانتهاكات، و مع إقرار الدولة بمسؤوليتها و تقوية المناعة و الضمانات ضد ظواهر خرق القاعدة القانونية والإفلات من العقاب التي سادت في الفترات الماضية، ضمانا لاسترجاع ثقة المواطنين في حكم القانون ودولة المؤسسات.

و قد سعت الهيئة لهدا الغرض إلى نهج سياسة القرب والإنصات للضحايا والمشتكين، و استقبلت بمقرها مئات الزائرين منهم، عقدت حوالي 3500 جلسة لتلقي الشهادات أو تدقيق البيانات الخاصة بالانتهاكات أو المطالب، أو تقديم المشورة للضحايا وذوي الحقوق، و قامت، بمساعدة وزارة الصحة، بتقديم خدمات الرعاية الصحية و التدخل في بعض الحالات الاستعجالية. كما قامت فرق من أعضائها وأطرها بزيارات ميدانية لجل مناطق البلاد.

وتميزت هذه الزيارات بعقد اجتماعات للإنصات للضحايا، و بمعاينة أوضاع الساكنة بالمناطق المعنية والتشاور مع الجمعيات المعنية بالتنمية المحلية لإشراكها في تطوير وتطبيق التصورات والصيغ الخاصة بجبر الضرر على النطاق الجماعي ، أو في تدبير ومعالجة القضايا المتعلقة بمآل المعتقلات غير النظامية التي استعملت سابقا في الاختفاء القسري أو الاعتقال التعسفي، وسبل رد الاعتبار الجماعي للمحلات و المناطق المتضررة بشكل خاص.

و ستعمل الهيئة عقد على عدد من جلسات الاستماع العمومية مع عينة مختارة من ضحايا الانتهاكات الماضية تمثل قدر المستطاع مختلف أصناف الانتهاكات في مختلف الفترات التي تندرج في اختصاصات الهيئة. والهدف الرئيسي من هده الجلسات هو إتاحة الفرصة للضحايا لإسماع صوتهم من منبر عمومي و رسمي و الإنصات لشهاداتهم و كدا أداء رسالة بيداغوجية من خلال التوعية بأشكال تلك الانتهاكات والآلام المترتبة عنها، وبالتالي التوعية بضرورة تضافر كل إرادات الدولة والمجتمع للحيلولة دون تكرارها. وتسعى الهيئة إلى استشارة الجمعيات الحقوقية المعنية و ممثلي الضحايا و ستتمم الهيئة كافة الإجراءات و المساطر الضرورية لتلك الجلسات وكذا إعدادها الفني بتعاون مع المهنيين الإعلاميين من القناتين.

4- البحث في السياقات التاريخية وإعداد التقرير النهائي : تقوم الهيئة باستجلاء ظروف و ملابسات الأحداث التي ارتبطت بها الانتهاكات الماضية لحقوق الإنسان. وتستند في ذلك إلى المعاينة الميدانية وإفادات الضحايا والشهود والبحث الأكاديمي. وهي تسعى إلى بلورة مقاربة لتلك الأحداث توفر توضيحا تاريخيا موضوعيا و منفتحا لطبيعة و ملابسات الانتهاكات تسهم في إقرار الحقيقة و الاعتراف الرسمي بها و في إنضاج مقومات المصالحة المنشودة. و قد وانتهت الهيئة من تحديد تصورها لتقريرها النهائي ولمنهجيته وتصميمه وأسلوبه، و شرعت في تجهيز مختلف المواد الوصفية و التحليلية و الاقتراحية التي ستصب في هذا التقرير. وتنكب فرق العمل المتخصصة، في الشهور القادمة على تنسيق الأعمال الدراسية و التحريرية اللازمة وإتمامها.

5- التواصل الاجتماعي و الحوار الفكري:

عملت الهيئة حسب ما يقتضيه نظامها الأساسي (لمادة 24 منه) على التفاعل مع مختلف قطاعات المجتمع المعنية و بحسب متطلبات برامج عملها.

هكذا نظمت لقاءات واستشارات وشراكات مع العديد من الجمعيات الوطنية والجهوية المعنية والمهتمة و مع منظمات دولية و عربية و مع المؤسسات الجامعية، وكذا مع التنظيمات الاجتماعية و السياسية المهتمة.

كما عقدت الهيئة لحد الساعة ثلاث مناظرات فكرية وعلمية بكل من الرباط ومراكش وطنجة، تناولت على التوالي، دراسة ونقد أدب الاعتقال السياسي ثم إشكالية عنف الدولة من النواحي النظرية والسياسية والتاريخية، ثم مفهوم الحقيقة في أبعادها الفلسفية والإنسانية والقانونية. وقد شارك في هذه الندوات نخبة من نشطاء حقوق الإنسان و من المثقفين والباحثين الأكاديميين والممارسين ونالت اهتماما مشجعا وصدى إعلاميا إيجابيا. وتزمع الهيئة، إلى حدود شهر فبراير 2005، عقد مناظرات أخرى من بينها على الأخص واحدة وطنية حول مفهوم المصالحة وأخرى دولية حول مقارنة التجارب العالمية في مجال الحقيقة والمصالحة. و ندوتين إقليميتين تنظمهما بالتعاون مع المعهد العربي لحقوق الإنسان و مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان.

و تنظم الهيئة باستمرار جولات تعريفية ببرامجها ونظم عملها وكذا لقاءات مع الصحفيين المغاربة والأجانب. وهي بصدد التشاور مع قناتي التلفزة الوطنيتين لبث برامج تخدم التعريف بمهامها وتساعد في توضيح مغازي التسوية العادلة لملف الماضي في ضوء مقاربة الهيئة، كما تحرص الهيئة على الحضور ما أمكن في الملتقيات الوطنية والدولية التي من شأنها التعريف بالتجربة المغربية في هدا المجال.. و الغاية الأساس من هدا النوع من الأنشطة، إلى جانب وظائفها التحسيسية أو الاستشارية المتصلة ببرامج عمل الهيئة، هو المساهمة في توسيع نطاق الحوار الهادف و البناء حول شروط تجاوز سلبيات الماضي و مقومات احترام حقوق الإنسان و ترسيخ قيم و دعائم الديمقراطية في الدولة و المجتمع.

6- التنظيم الذاتي للهيئة :

اعتمدت الهيئة استراتيجية تنظيمية قوامها العقلنة والفعالية والمرونة. ولذا فهي تحدث هياكل تطورية ترتبط بأوراش و مشاريع محددة تستجيب لحاجيات الهيئة خلال المراحل المختلفة لإنجاز مهامها. وقد اشتغل بإدارة الهيئة بصورة ظرفية أو ممتدة حوالي 300 من الأطر الإدارية والعلمية والتقنية المتنوعة، ينتمون لمنظمات حقوقية وإدارات عمومية أو جامعات.

و قد سمحت هده الطريقة من تدبير فعال للأولويات المحددة بشكل متزامن و متظافر من ضمن البرامج الرئيسية المتعلقة بإقرار حقيقة الانتهاكات، والإنصاف و جبر الضرر، وإعداد التقرير النهائي، والتحسيس بقيم المصالحة و ثقافة الحوار و حقوق الإنسان.

طباعة ارسل الصفحة أعلى الصفحة
مفكرة

" لا ينحصر الأمر في تقاسم معرفة ما حدث في الماضي وإعادة تملكه، بل يتعداه، عبر الجدل البنّاء، إلى التحفيز حاضرا، على إبداع معايير وقواعد عيش مشترك، يسهم الجميع من خلالها في بناء المستقبل..."
إدريس بنزكري

المجلس الاستشاري لحقوق الانسان ساحة الشهداء ، ص ب 1341
الهاتف : + 212 37 72 22 07
الفاكس: +212 37 72 68 56
البريد الالكتروني : ccdh@ccdh.org.ma